لغة العقل في زمن الرصاص: قراءة لخطاب السنهوري ونيروبي كمنصة لإنقاذ الدولة السودانية

صحيفة الهدف

 د. جمال الجاك

شكّل الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، الأستاذ علي الريح السنهوري، في افتتاح اجتماع قوى إعلان المبادئ السودانية في العاصمة الكينية نيروبي (الجمعة 22 مايو/أيار 2026)، وثيقة سياسية بالغة الأهمية؛ لم يكن ذلك فقط لكونه أول ظهور علني له منذ اندلاع الح.رب العبثية والمدمرة في السودان، بل أيضاً لأنه قدّم تشخيصاً دقيقاً لحاضر ومستقبل الدولة السودانية، وعرض “خارطة طريق” عقلانية تتجاوز مرارات الأيديولوجية وآثارها، لصالح النضال من أجل البقاء الوطني، وباختصار، يُمثل الخطاب تحولاً واعياً من “خطاب الأزمة” التقليدي إلى “خطاب الحل” القائم على أولويات البقاء، وإعادة صياغة لشعارات ثورة ديسمبر المجيدة في إطار واقعي يتناسب مع حجم التهديد الوجودي الذي يواجه السودان اليوم.

وتكتسب مشاركة السنهوري الشخصية دلالة رمزية وسياسية بالغة الأهمية؛ فهي تؤكد أن القوى المدنية الديمقراطية، وعلى رأسها حزب البعث، لم تنكفئ على نفسها رغم عنف الح.رب وضراوتها، بل واصلت التفاعل مع الواقع والبحث عن سبل التوافق، حيث سعى السنهوري في مستهل خطابه إلى طمأنة الشعب والتأكيد على الطابع المؤسسي للحزب، فلم تُشِر مشاركته الشخصية الأولى إلى غياب حزب البعث السابق، بل كانت استمرارًا لجهود رجال الحزب ونسائه الذين لبّوا جميع الدعوات لوقف الح.رب، ويمنح هذا التقدم السياسي الحزب ثقلًا إضافيًا كفاعلٍ حيوي يسعى إلى إرادة وطنية موحدة، بمنأى عن أي تأثيرات خارجية؛ وفي تحليلٍ ذكي وعميق لطبيعة المرحلة الراهنة، ميّز السنهوري تمييزًا حاسمًا بين “المطالب الاستراتيجية” و”الاحتياجات العاجلة”، مُقِرَّاً بأن شعارات ثورة ديسمبر (الحرية، السلام، العدالة) لا تزال المبدأ التوجيهي، ولكنه يُعيد ترتيبها وفقًا لمتطلبات اللحظة الراهنة عبر معادلة السلام والوحدة التي تربط جدليًا بين السلام والوحدة، فلا سلام بدون وحدة، ولا صون للوحدة الوطنية بدون إنهاء الح.رب نهائيًا.

وفي إحدى أقوى عبارات خطابه، أشار السنهوري إلى تجاوز الاستقطاب الأيديولوجي مبيناً أن المواطن السوداني اليوم، من بورتسودان إلى نيالا، لا يشغل باله الصراع بين “الأنظمة الاشتراكية أو الرأسمالية”، بل إن مطلبه الأساسي هو “البقاء” والعودة إلى دياره ومزارعه وأعماله، ويمثل هذا التصريح نضجًا سياسيًا ملحوظًا يتجاوز الأطر الحزبية الضيقة لصالح الإنسانية السودانية، التي يهددها أبسط حقوق الإنسان وهو “الحياة”؛ كما لم يغفل الخطاب الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة السودانية، واضعًا الح.رب في سياقها الأوسع كجزء من مخطط يستهدف “الدولة القومية” في المجالين العربي والأفريقي، وذلك بإشعال ح.روب داخلية لزيادة الانقسامات القائمة وتفتيت ما هو متشرذم لصالح قوى خارجية، ومع إقراره بوجود “ألغام استعمارية” وتدخلات أجنبية، شجع السنهوري على تبني “منظور وطني” بدلًا من إلقاء اللوم على قوى خارجية، مؤكدًا أن المسؤولية الأساسية والجوهرية تقع على عاتق القوى السياسية والاجتماعية السودانية، ليدعو هذا النقد الذاتي النخبة إلى الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية وإحباط الأجندات الخارجية من خلال امتلاك “إرادة وطنية مستقلة”.

ويُقدّم الخطاب أطروحة فكرية وسياسية متقدمة حول مفهوم السلطة في مرحلة التحرير والإنقاذ الوطني، مستحضراً الشعار التاريخي “لا وصاية على الشعب، ولا سلطة لأحد إلا الشعب”، حيث يوجّه السنهوري هنا نقداً مبطناً وصريحاً لجميع القوى، عسكرية كانت أم مدنية، التي تعتقد أنها تحتكر الحقيقة أو أنها تملك الحق في رسم مستقبل الشعب دون تفويض، ملزماً القوى التي تقود المرحلة الحالية بأن تكون في طليعة التضحية والنضال لحماية وحدة الدولة، والمضي قدماً في النضال مع التراجع خطوتين عن مراكز السلطة، ويمثل هذا التوليف الأخلاقي والسياسي الترياق الوحيد لإنهاء الاقتتال الداخلي والتنافس المحموم على مناصب السلطة بينما تستمر الح.رب في التهام كل شيء؛ كما يؤكد الخطاب بالإشارة إلى الشعب كآلية للحل أن فكّ تعقيدات الأزمة، بما فيها قضايا شائكة كنزع السلاح والترتيبات الأمنية، لن يتحقق عبر صفقات مفروضة من أعلى إلى أسفل أو منطق “البراءة” لمن يعتبرون أنفسهم مُبرّئين لمعارضتهم الح.رب، بل عبر تعهد جماعي بالعودة إلى الشعب وصناديق الاقتراع في أقرب وقت ممكن.

وفي لفتة رائعة تُؤكد على ضرورة تجاوز المرارة وإدارة التنوع بالحكمة السياسية، استشهد السنهوري بمقولة الإمام الصادق المهدي “من يُفش غبيته يُدمر مدينته”، لتشكل هذه التوائمة الثقافية والسياسية دعوة واضحة لإعطاء الأولوية للعقلانية والواقعية السياسية على الانتقام السياسي الذي أوصل البلاد إلى هذه الحالة المزرية منذ عام 2019، مثلما أعاد الخطاب تعريف مفهوم “التنوع” السوداني باعتباره ليس نقمة ولا سببًا للانقسام والتناقضات، بل هو مصدر إثراء وقوة عندما يُصاغ في إطار احترام المساواة والعدالة والاعتراف المتبادل؛ واختتم السنهوري تحليله السياسي بالتأكيد على بناء الجبهة العريضة وأن “الميثاق القوي” للقوى المجتمعة في نيروبي لا يزال بحاجة إلى استكماله بإشراك القوى الوطنية ذات التاريخ النضالي، ما يعني أن المنصة مرنة ومنفتحة وليست تحالفًا إقصائيًا جديدًا، حيث رحّب الخطاب في خطوة لافتة تحديدًا بالأستاذ عبد الواحد محمد نور وحركة جيش تحرير السودان، مشيدًا بمواقفهم الثابتة بشأن الوحدة السودانية ورفضهم للحلول الخارجية، وفي المقابل، رسم الخطاب خطًا فاصلًا حاسمًا مع الفصائل المتحاربة الأخرى واصفًا إياها بأنها تقاتل من أجل مصالحها الخاصة، ليدعم هذا الموقف المبدئي بوضوح الدولة المدنية ويرفض إضفاء الشرعية على الصراع المسلح على حساب تفتيت الأمة، مع الإقرار بأن الغياب التاريخي للتنمية المتوازنة قد غذّى هذه الولاءات الإقليمية والقبلية.

لقد كان خطاب الأستاذ علي الريح السنهوري في نيروبي خطاب رجل دولة يُدرك خطورة اللحظة التاريخية، فقد واجه الكتلة المدنية بمسؤولياتها، وجرّد الصراعات الأيديولوجية من قدسيتها أمام قدسية حياة المواطن ووحدة الأمة، وإن نجاح قوى إعلان المبادئ السودانية، وجميع المنصات الوطنية، يعتمد الآن على مدى تجسيدها لهذه الروح المتمثلة في التواضع السياسي، والتراجع عن الطموح الاستبدادي، والتقدم نحو ميادين النضال لوقف الح.رب وإعادة السلطة إلى صاحبها الشرعي وهو الشعب السوداني.

#لغة_العقل #خطاب_السنهوري #نيروبي #حزب_البعث #إنقاذ_السودان #ثورة_ديسمبر_مستمرة #قوى_إعلان_المبادئ #صحيفة_الهدف #السودان_اليوم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.