القرار الوزاري رقم (22).. هل تعود مجازر “الصالح العام” إلى الخدمة المدنية السودانية؟

صحيفة الهدف

الخرطوم: الهدف

في بلدٍ أنهكته الحرب حتى النخاع، وتحوّلت فيه الوظيفة العامة إلى واحد من آخر الحبال التي تتشبث بها الأسر السودانية في مواجهة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، تسربت إلى العلن وثائق وقرارات رسمية أشعلت موجة واسعة من الجدل والرفض والغضب وسط الأوساط النقابية والعمالية والسياسية. ففي وقت ينتظر فيه عشرات الآلاف من العاملين استعادة مرتباتهم المقطوعة وتحسين أوضاعهم المعيشية المتدهورة، برز القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026م بوصفه أخطر القرارات المرتبطة بمستقبل الخدمة المدنية منذ اندلاع الحرب، وسط اتهامات بأنه يمهد لعملية إعادة هيكلة واسعة قد تنتهي بتقليص الجهاز الحكومي وتشريد عشرات الآلاف من العاملين.

هذه المخاوف كانت محور ندوة موسعة نظمتها الجبهة النقابية بمشاركة عدد من القيادات النقابية والوزراء السابقين والخبراء في مجالات القانون والعمل والسياسات الاقتصادية، حيث ناقش المتحدثون خلفيات القرار وأبعاده القانونية والاقتصادية والاجتماعية، محذرين مما وصفوه بمخاطر غير مسبوقة تهدد بنية الخدمة المدنية والدولة السودانية نفسها.

من أين بدأ القرار؟

رفض المشاركون في الندوة التعامل مع القرار رقم (22) باعتباره مجرد مقترحات إدارية أو توصيات أولية قابلة للنقاش، مؤكدين أن الوثائق الرسمية المتداولة تكشف عن مسار متكامل وممنهج بدأ قبل أشهر طويلة، ويستند إلى قرارات حكومية عليا صدرت بالفعل ووضعت موضع التنفيذ.

وأشار المتحدثون إلى أن القرار الوزاري رقم (22) الصادر عن وزير الموارد البشرية استند بصورة مباشرة إلى قرار مجلس الوزراء رقم (170) لسنة 2025م، الأمر الذي يعني ـ بحسب تقديرهم ـ أن مشروع تخفيض العاملين في الجهاز الحكومي لم يكن فكرة طارئة، بل سياسة معتمدة منذ عام كامل.

وأوضحوا أن رئيس مجلس الوزراء أصدر خلال الجلسة رقم (4) المنعقدة بتاريخ 16 أبريل 2026م توجيهاً واضحاً بتشكيل لجنة وزارية شرعت فعلياً في دراسة وتنفيذ سياسات التخفيض وإعادة الهيكلة، وأن ما ظهر لاحقاً من توصيات وقرارات يمثل امتداداً لذلك المسار.

ووفقاً للوثائق التي جرى تداولها خلال الندوة، فإن المقترحات المطروحة تتجه إلى تخفيض العاملين بالجهاز الاتحادي بنسبة تقارب 60%، عبر تقليص العدد الكلي من نحو 94,687 موظفاً إلى 43,725 موظفاً فقط.

ويرى المشاركون أن هذه الأرقام لا تتعلق بقطاع بعينه أو مؤسسة محددة، بل تشمل الوزارات الاتحادية والأجهزة العدلية والهيئات والمؤسسات والشركات الحكومية، بما يجعل آثارها المحتملة ممتدة إلى معظم مفاصل الدولة.

تفكيك الوظيفة العامة

وفي قراءة تفصيلية للقرار، أوضح الدكتور عمار الباقر أن الوثائق المتداولة تحدد مسارين رئيسيين لإنهاء خدمة العاملين. وقال إن المسار الأول يتمثل في المعاش المبكر، موضحاً أن هذا الإجراء في الأصل حق قانوني ودستوري مكفول للعامل بموجب قانون الخدمة المدنية لسنة 2007م، ويُفترض أن يتم بطلب طوعي يقدمه الموظف بنفسه عندما يرغب في إنهاء خدمته. وأضاف أن الإشكال الأساسي يكمن في محاولة تحويل هذا الحق الاختياري إلى وسيلة إلزامية لإنهاء الخدمة، معتبراً أن ذلك يفرغه من مضمونه القانوني ويجعله أقرب إلى الفصل التعسفي المقنع. وقال:”المعاش المبكر حق اختياري أصيل للموظف، لكن عندما تتحول السلطة إلى استخدامه كوسيلة لإجبار العاملين على مغادرة الخدمة فإنه يفقد صفته القانونية ويتحول عملياً إلى فصل تعسفي كامل الأركان.”

أما المسار الثاني، بحسب الباقر، فهو إلغاء الوظيفة نفسها من الهيكل الإداري للدولة. وأوضح أن خطورة هذا الإجراء لا تقف عند حدود إنهاء خدمة الموظف الحالي، وإنما تمتد إلى محو الوظيفة ذاتها وإخراجها نهائياً من الهيكل المؤسسي للدولة. وأضاف أن هذا النوع من الإجراءات يؤدي إلى تقليص البنية الإدارية والمؤسسية للدولة بصورة مباشرة، ويحرم الأجيال المقبلة من فرص التوظيف داخل القطاع العام.

وأشار إلى أن إلغاء الوظائف يفتح الطريق تدريجياً أمام سياسات الاستعانة بالقطاع الخاص والشركات الخارجية لتقديم الخدمات الحكومية الأساسية، وهو ما يثير ـ بحسب قوله ـ تساؤلات ومخاوف كبيرة ذات أبعاد إدارية واقتصادية وأمنية. وقال:”عندما تُلغى الوظيفة لا يُفصل الموظف وحده، بل يُمحى موقعه الوظيفي بالكامل من هيكل الدولة. وهذا يعني تقليصاً دائماً للمؤسسات العامة وتمهيداً لإسناد الخدمات لشركات خاصة، وهو أمر يحمل آثاراً خطيرة على الإدارة والاقتصاد والأمن الوطني.”

لجنة بلا سند

من جانبها، قدمت وزيرة العمل السابقة تيسير النوراني قراءة قانونية للقرار والإجراءات المرتبطة به، مؤكدة أن اللجنة الوزارية التي أعدت المقترحات والقرارات المنبثقة عنها تفتقر إلى الأساس القانوني اللازم.

وقالت إن أي عملية تتعلق بإعادة هيكلة العمالة أو فصل العاملين يجب أن تخضع لمعايير وإجراءات منصوص عليها في القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان.

وأوضحت أن السودان ملتزم بعدد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وفي مقدمتها الاتفاقية رقم (98) الخاصة بحق التنظيم النقابي، والاتفاقية رقم (144) المتعلقة بالحوار الثلاثي بين الحكومات وأصحاب العمل والنقابات.

وأضافت أن هذه الاتفاقيات تلزم الدولة بإجراء مشاورات وحوارات مؤسسية حقيقية قبل اتخاذ أي قرارات تمس أوضاع العاملين وحقوقهم.

وقالت:”السودان ملتزم باتفاقيات دولية واضحة وصارمة تحت مظلة منظمة العمل الدولية، لكن اللجنة الوزارية لم تلتزم بمقتضيات الحوار الثلاثي ولم تراعِ الإجراءات المطلوبة قانونياً، ولذلك فإن القرارات الصادرة عنها تفتقر إلى المشروعية القانونية.”

أرقام محل شك

ولم يقتصر النقد على الجانب القانوني، بل امتد إلى الأسس الفنية والعلمية التي استندت إليها اللجنة الوزارية. وأكد عدد من المتداخلين أن قواعد البيانات الخاصة بالخدمة المدنية السودانية تعاني منذ سنوات طويلة من اختلالات موثقة في تقارير ديوان المراجعة القومي.

وأشاروا إلى وجود تناقضات كبيرة بين السجلات الرسمية، فضلاً عن استمرار ظهور أسماء وهمية أو أسماء لموظفين أحيلوا إلى المعاش منذ سنوات بينما ما تزال بياناتهم نشطة داخل بعض السجلات الإدارية.

ورأى المشاركون أن الحرب فاقمت الأزمة بصورة غير مسبوقة، بعد أن تسببت في نزوح ولجوء وهجرة وانقطاع أعداد كبيرة من العاملين عن مواقع عملهم، الأمر الذي يجعل أي عملية حصر دقيقة وشاملة للعاملين مسألة شديدة التعقيد.

وتساءل المتحدثون عن الكيفية التي تمكنت بها اللجنة من حصر العاملين في ولايات دارفور الخمس وجنوب كردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى العاملين في القطاع النفطي الذي توقف جزء كبير من نشاطه بفعل الحرب.

واعتبروا أن الحديث عن إحصاءات دقيقة ونهائية في ظل هذه الظروف يفتقر إلى السند العلمي والمنهجي.

روشتة صندوق النقد

وفي الجانب الاقتصادي، ربط الكاتب والمحلل أحمد طراوة القرار رقم (22) بالسياسات الاقتصادية التي ظلت الحكومات المتعاقبة تتبناها استجابة لشروط المؤسسات المالية الدولية.

وقال إن المرحلة الأولى من هذه السياسات تمثلت في تحرير سعر الصرف ورفع الدعم الحكومي، بينما يجري الانتقال حالياً إلى مرحلة جديدة تقوم على تخفيض الإنفاق الحكومي وتقليص فاتورة الأجور.

وأضاف أن ما يجري لا يمكن فصله عن سياسات التقشف التي يوصي بها صندوق النقد الدولي بهدف تقليص الإنفاق العام.

وأوضح: “بدأت المرحلة الأولى بتحرير سعر الصرف ورفع الدعم، والآن ننتقل إلى مرحلة أكثر قسوة تقوم على تخفيض العمالة وتقليص الالتزامات الاجتماعية للدولة.”

ورأى أن جوهر القرار لا يتعلق فقط بتوفير الأموال، وإنما بإعادة تشكيل سوق العمل السوداني ودفع أعداد كبيرة من العاملين خارج القطاع الحكومي نحو القطاع الخاص الهش أو نحو أنشطة التعدين الأهلي والاقتصاد غير المنظم. وأضاف أن هذه التحولات ستؤدي إلى زيادة معدلات الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية بدلاً من معالجة الأزمة القائمة.

الأموال تذهب للحرب

أما النقابي حاتم الوسيلة فقد ربط القرار مباشرة بمتطلبات تمويل الحرب الجارية. وقال إن السلطة القائمة تبحث عن موارد مالية إضافية تمكنها من مواصلة الإنفاق العسكري، وإن العاملين أصبحوا الحلقة الأضعف التي يجري تحميلها كلفة الحرب. وأضاف أن التضحية بمعاشات العاملين واستقرار أسرهم تتم في سبيل توفير سيولة مالية تستخدم لاستمرار الصراع بدلاً من معالجة آثاره الإنسانية والاجتماعية.

ورأى أن النتائج المحتملة لهذه السياسات ستكون كارثية على المجتمع السوداني الذي يعيش أصلاً تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

هل عاد “الصالح العام”؟

السؤال الأكثر حضوراً خلال الندوة كان: هل تمثل هذه الإجراءات عودة لسياسات الصالح العام التي ارتبطت بعهد الإنقاذ؟ الإجابة جاءت حاسمة من عدد من المتحدثين.

فقد أكد حاتم الوسيلة أن ما يحدث اليوم يمثل ـ من وجهة نظره ـ عودة مباشرة لسياسات الفصل الجماعي التي مورست عقب انقلاب 30 يونيو 1989م. وقال: “التاريخ يعيد نفسه بالأدوات نفسها تقريباً. بالأمس شُرد عمال السكة الحديد وأُخرجوا من وظائفهم ومنازلهم، واليوم نشهد فصولاً جديدة من السياسة نفسها.”

وأشار إلى فصل أكثر من خمسمائة عامل زراعي من بعض المنشآت الزراعية وتشريدهم من مساكنهم قبيل عيد الأضحى، معتبراً أن ذلك يقدم نموذجاً عملياً لما يمكن أن تتجه إليه السياسات الجديدة.

استهداف متعمد

من جانبه رأى أحمد طراوة أن التركيز على المؤسسات الاتحادية لا يخلو من أبعاد سياسية.

وأوضح أن هذه المؤسسات شكلت تاريخياً قاعدة مهمة للحراك النقابي والإضرابات المهنية التي لعبت دوراً محورياً في إسقاط نظام الإنقاذ ودعم ثورة ديسمبر. وقال إن لجان المعلمين وأساتذة الجامعات والعاملين في القطاع العام قادت معارك مطلبية واسعة خلال السنوات الماضية، وأسهمت بصورة مباشرة في تشكيل الوعي النقابي الحديث. وأضاف: “المؤسسات الاتحادية هي الكتلة التي لعبت دوراً مهماً في مقاومة النظام السابق، ولذلك فإن استهدافها يحمل دلالات سياسية واضحة تتجاوز مجرد الاعتبارات الاقتصادية.”

واعتبر أن تفريغ الخدمة المدنية من كوادرها الحالية قد يفتح الباب لإعادة تشكيلها على أسس جديدة تسمح بإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة.

آثار اجتماعية

وحذر المشاركون من أن تداعيات القرار لن تتوقف عند حدود العاملين المستهدفين بالفصل أو إنهاء الخدمة.

فإذا كانت التقديرات تشير إلى احتمال خروج نحو خمسين ألف موظف وعامل من الخدمة، فإن الآثار الفعلية ستمتد إلى مئات الآلاف من أفراد أسرهم الذين يعتمدون على دخولهم المحدودة.

وأشاروا إلى أن معظم العاملين يعانون أصلاً من انقطاع الرواتب أو تأخرها لأشهر طويلة، وأن كثيراً من الأسر تعيش حالياً على المساعدات والتكافل الاجتماعي والتحويلات المحدودة من الأقارب.

كما أثاروا تساؤلات حول قدرة الدولة على سداد استحقاقات المعاشات والتعويضات في ظل عدم حصول أعداد كبيرة من المحالين للمعاش سابقاً على حقوقهم المالية حتى الآن.

وتساءلوا: كيف ستتمكن الدولة من دفع استحقاقات عشرات الآلاف من العاملين الجدد في ظل غياب موازنات معلنة للأعوام 2023 و2024 و2025؟

خطة مقاومة

وفي ختام الندوة، أجمع المشاركون على أن مواجهة القرار رقم (22) تتجاوز حدود المطالب الفئوية والنقابية الضيقة، وتمثل قضية سياسية ووطنية تمس مستقبل الدولة والمجتمع.

واتفقوا على التحرك عبر عدة مسارات متوازية تشمل، المسار القانوني والإداري عبر تقديم التظلمات والطعن أمام القضاء الإداري استناداً إلى قانون الخدمة المدنية والسوابق القضائية السودانية. فضلا عن المسار الدولي والحقوقي من خلال مخاطبة منظمة العمل الدولية والاتحادات النقابية الإقليمية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان. بالأضافة إلى المسار النقابي والقاعدي عبر تنشيط اللجان التمهيدية والتسييرية والجمعيات العمومية في مواقع العمل المختلفة.. كذلك المسار الإعلامي والسياسي بتوسيع حملات التوعية والتعبئة العامة حول آثار القرار. ثم المسار المدني المشترك من خلال فتح باب التوقيع على مذكرة مقاومة موحدة تضم النقابيين والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة والأجسام النسوية والمهنية.

وأكد المشاركون أن المعركة الدائرة حول القرار الوزاري رقم (22) ليست مجرد نزاع إداري حول وظائف وأرقام، بل معركة تتصل بطبيعة الدولة السودانية ومستقبل الخدمة المدنية ومصير مئات الآلاف من الأسر التي تواجه اليوم الحرب والجوع والنزوح، وتخشى أن تضيف إليها السلطة فصلاً جديداً من التشريد تحت لافتة إعادة الهيكلة والإصلاح الإداري.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.