بين قطارات الدم وفنادق المنفى: الحزب الشيوعي السوداني وإرث المأساة الوطنية

صحيفة الهدف

 عادل أحمد محمد

منذ فجر الاستقلال وإلى يومنا هذا، ما زال المشهد السياسي السوداني يرزح تحت وطأة خطابات عقائدية تدعي الوصاية على وعي الشعوب وتتحدث باسم “الكادحين”، بينما تكشف حقائق التاريخ والواقع عن بون شاسع بين الشعارات البراقة والممارسات الكارثية.

وفي مقدمة هذه التيارات يقف الحزب الشيوعي السوداني، كأحد أبرز الفاعلين الذين ساهموا عبر مغامراتهم السياسية والعسكرية في تسميم الحياة الديمقراطية، وتأسيس إرث ممتد من الاستبداد والدموية دفع المواطن السوداني ثمنه من استقراره ودماء أبنائه.

هندسة الديكتاتورية: من عباءة مايو إلى صدمة الانقلاب

لا يمكن لقراءة تاريخية منصفة أن تتجاوز حقيقة أن الحزب الشيوعي السوداني كان الرافعة الأساسية والمهندس الأيديولوجي لانقلاب 25 مايو 1969 بقيادة جعفر نميري. في تلك المحطة، ركل الحزب الخيار الديمقراطي والتعددية السياسية بقدمه، وارتضى أن يكون ظهيراً لسلطة عسكرية شمولية صادرت الحريات، وأممت المقدرات، وأدخلت البلاد في نفق مظلم من الفساد والاستبداد امتد لستة عشر عاماً.

تلك الحقبة لم تكن مجرد كبوة سياسية، بل كانت خطيئة استراتيجية أسست لثقافة “الشرعية عبر الدبابة” في الوجدان البيروقراطي والعسكري السوداني.

يوليو 1971: محطة الدم وتصفية الشركاء

ولأن شهوة السلطة المغلفة بالشعارات الأيديولوجية لا تعرف الاستقرار، لم يمضِ تحالف “مايو والشيوعي” بعيداً حتى تفجرت الصراعات البينية، والتي بلغت ذروتها في مغامرة يوليو 1971 الوعرة بقبضة الرائد هاشم العطا.

تلك الأيام الثلاثة لم تكن محاولة لتصحيح مسار، بل كانت قفزة دموية في الظلام انتهت بواحدة من أبشع المجازر في تاريخ العسكرية السودانية؛ مجزرة “بيت الضيافة”.

إن دماء ضباط القوات المسلحة السودانية الذين تمت تصفيتهم بدم بارد في تلك الواقعة، ستظل شاهداً تاريخياً لا يُمحى على المنهج التصفوي والإقصائي الذي اتبعته الآلة العسكرية للحزب في سبيل تثبيت أركان حكم عقائدي متطرف، وهي المجزرة التي ارتدت وبالاً على الحزب نفسه وقادته، لكنها تركت جرحاً غائراً في خاصرة الوطن لم يبرأ حتى اليوم.

منصات نيروبي وفنادق لندن: انفصام النخبة عن واقع الأرض

المفارقة الكبرى والتناقض الصارخ يتجلى اليوم وأنت تتابع المتحدثين باسم هذا الحزب وهم يعتلون المنصات في عواصم الإقليم مثل نيروبي، أو يدبجون البيانات من مقاهي وفنادق لندن العتيقة. يتحدثون عن “الثورة، والتغيير، ومستقبل السودان”، بينما يغيب عن وعيهم المأزوم أن السودان الحقيقي ليس قاعة مؤتمرات مكيفة، ولا منبراً خارجياً تديره أجندات ومصالح إقليمية ودولية.

بينما يواجه المواطن المطحون في غياهب المدن السودانية ويلات نزوح مرير، وجوعاً كافراً، وق.صفاً لا يرحم، يصر هؤلاء على ممارسة “المراهقة السياسية” من وراء البحار.

إن الجلوس في فنادق المنفى والتنقل بين العواصم بجوازات سفر غربية وإقليمية لتنظير واقع معقد، يسقط ما تبقى من مشروعية أخلاقية وسياسية لهذه النخب التي أدمنت العيش في “برج عاجي” معزول تماماً عن نبض الشارع ومعاناته الوجودية.

خاتمة:

إن التاريخ لا يرحم، والذاكرة الوطنية السودانية وإن صمتت حيناً، فإنها لا تنسى من تسبب في تقويض ديمقراطيتها، ومن سفك دماء أبنائها في سبيل صراعات أيديولوجية مستوردة.

إن كشف الأقنعة عن هذه الممارسات لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو واجب وطني لتعرية نخب المنافي التي تقتات على أزمات الداخل، وتاريخها مثقل بالدماء ومغامرات العسكر.

#السودان #الحزب_الشيوعي #التاريخ_السوداني #مجزرة_بيت_الضيافة #انقلاب_مايو #السياسة_السودانية #نخب_المنافي #لا_للحرب #أخبار_السودان #صحيفة_الهدف #الهدف_مقالات #السودان_اليوم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.