د. جمال الجاك
يشهد الفضاء الاجتماعي والسياسي السوداني تحولات بنيوية عميقة، تراكبت عبر أكثر من ثلاثة عقود من حكم الإسلاميين، الذين سعوا إلى إعادة تشكيل المجال العام ضمن مشروع “هندسة اجتماعية” شاملة. ولم تقتصر هذه التحولات على بنية السلطة أو السياسات الاقتصادية، بل امتدت لتترك آثارًا عميقة في البنية الثقافية والنفسية للمجتمع، بما أفضى إلى قدر من الانقسام العمودي في أنماط الوعي والسلوك.
يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية مقارنة، بالاستناد إلى أدوات علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، لفهم الفوارق بين نموذجين داخل المجتمع السوداني: المواطن العادي “بمعناه الاجتماعي الواسع وغير المؤدلج”، والعضو المنخرط في تنظيم الإسلام السياسي، المعروف شعبيًا بـ”الكوز”.
أولًا: البعد النفسي والسلوكي
تتشكّل البنية النفسية للمواطن السوداني العادي في سياق اجتماعي مفتوح نسبيًا، متعدد الثقافات والولاءات، بينما تتكوّن بنية العضو التنظيمي داخل بيئة أيديولوجية أكثر انغلاقًا وتنظيمًا.
– المواطن السوداني العادي
التلقائية والمرونة النفسية:
يميل المواطن العادي إلى قدر عالٍ من العفوية والتكيّف، ويعتمد في إدراكه للعالم على الخبرة المباشرة والتجربة اليومية، بما يمنحه مرونة في التعامل مع التعدد الثقافي والعرقي.
الامتداد الوجداني الأفقي:
تتشكّل هويته العاطفية في نطاق اجتماعي واسع “أسرة، جيران، مجتمع محلي”، حيث تتقدم روابط القرابة والمجاورة على الاعتبارات الأيديولوجية.
– العضو المنظّم “الكوز”
الصلابة المعرفية:
يميل إلى رؤية العالم ضمن ثنائيات حادة “حق/ باطل – نحن/ هم”، وهي بنية معرفية تقلّل من المساحات الرمادية لصالح يقين أيديولوجي صارم.
النرجسية الجماعية:
ينشأ شعور بالاصطفاء أو التفوق الأخلاقي المستمد من الانتماء التنظيمي، بما يعزّز نزعة التمايز عن المجتمع الأوسع.
التنافر المعرفي:
قد ينشأ انفصال بين الخطاب المثالي والممارسة الواقعية، يُعالج عبر آليات تبرير مختلفة تحافظ على اتساق الصورة الذهنية للتنظيم.
ثانيًا: المنظومة الاجتماعية والروابط
– المواطن السوداني العادي
الرأسمال الاجتماعي الأفقي:
يعتمد على شبكات التكافل التقليدية مثل النفير والفزع والعلاقات الممتدة، حيث تُبنى الثقة على الخبرة والمعايشة لا على الانتماء الأيديولوجي.
العقد الاجتماعي غير المكتوب:
تتحكّم في سلوكه منظومة قيمية عرفية مثل الشهامة والستر وإغاثة الملهوف، وهي قيم اجتماعية راسخة تتجاوز المؤسسات الرسمية.
– العضو المنظّم “الكوز”
إعادة تشكيل الروابط الاجتماعية:
تتقدم روابط التنظيم على الروابط التقليدية، ما يؤدي إلى إعادة ترتيب دوائر الثقة والانتماء.
الانغلاق الشبكي:
تتكون شبكات اجتماعية واقتصادية أكثر انغلاقًا، ما يقلل من التفاعل العابر للفئات ويضعف الرأسمال الاجتماعي الجسري داخل المجتمع.
ثالثًا: التديّن والقيم
رغم اشتراك الطرفين في المرجعية الإسلامية، إلا أن أنماط التدين تختلف في الشكل والوظيفة:
– العضو التنظيمي “الكوز”
تدين أيديولوجي سياسي مرتبط بالمشروع الحركي.
براغماتية تنظيمية تُخضع القيم للمصلحة.
رمزية ظاهرية وشعائرية لهوية تنظيمية.
– المواطن السوداني العادي
تدين شعبي/ صوفي يركز على الروحانية والتسامح.
أخلاق الفضيلة “الصدق، الأمانة، المعاملة”.
سلوك يومي غير استعراضي.
رابعًا: البعد السياسي والوعي بالدولة
– المواطن السوداني العادي
مواطنة وظيفية/ وجدانية: يرى الدولة كمؤسسة خدمات وعدالة، ويتفاعل معها أساسًا عبر مطالب المعيشة والحقوق الأساسية.
الاغتراب السياسي: نتيجة تاريخ طويل من الاستبداد، تتشكل علاقة متوترة مع الدولة، لكنها لا تلغي قابلية الفعل الشعبي حين تتراكم الأزمات.
– العضو التنظيمي “الكوز”
أيديولوجيا التمكين:
تميل الرؤية إلى اعتبار الدولة مجالًا للسيطرة وإعادة التوظيف لصالح التنظيم، لا كيانًا محايدًا للمواطنة المتساوية.
البراغماتية السياسية:
تتحرك الخيارات السياسية ضمن منطق المصلحة التنظيمية، مع قابلية عالية لإعادة التموضع وفق ميزان القوة.
خاتمة
إن الفارق بين المواطن السوداني العادي و”الكوز” لا يمكن اختزاله في موقف سياسي، بل يعكس اختلافًا في البنية النفسية والاجتماعية وأنماط إنتاج المعنى والولاء. فهو صراع بين:
بنية اجتماعية مرنة ومتعددة المرجعيات، متجذرة في الثقافة السودانية التقليدية.
وبنية أيديولوجية تنظيمية مغلقة، أعادت تشكيل الفرد داخل إطار ولائي صارم.
ويُظهر هذا التباين كيف أن محاولات “الهندسة الاجتماعية” خلال العقود الماضية اصطدمت بمرونة البنية الاجتماعية السودانية من جهة، وبصلابة البنية التنظيمية من جهة أخرى، ما أفرز هذا النوع من التوتر البنيوي الذي لا يزال يشكل أحد مفاتيح فهم الأزمة السودانية المعاصرة.

Leave a Reply