صلاح يوسف
من المعروف أن كثيرين ممن يُصنَّفون ضمن فئات النازحين والمغتربين والمهاجرين يتابعون أخبار الوطن بكل حواسهم ومشاعرهم، آملين أن تضع الحرب أوزارها وتستعيد البلاد عافيتها. ولما كان لوسائل الإعلام دور كبير في تغطية الأخبار ونشر ما يتوافق مع رؤاها، فقد أصبح متلقّو تلك الأخبار في حالة حيرة بين التصديق والتكذيب، إذ لا تخلو المواد المنشورة من إضافات “مُبهّرة” تخدم توجه كل جهة ناشرة.
في الآونة الأخيرة قرأت خبرًا شدّني عنوانه: “غابة بلا أشجار”، والغابة المعنية هي غابة السنط الممتدة شرق نهر النيل الأبيض وغرب المقرن، حسب صور بثّتها بعض الوسائط الاجتماعية، متحسّرة على مساحة ليست صغيرة من الغابة التي ظلت لعقود طويلة مكانًا للرحلات والتجوّل على امتدادها.
وقد أظهر القطع الجائر للأشجار تلك الأرض جرداء شاحبة وحزينة، كأنها تنوح على فقدٍ مرّ. فمن كان يصدق أن يكون مصير تلك الأشجار التي ترتوي تلقائيًا من مياه النيل بهذا الشكل المؤلم؟ وعلى أية حال، ليت ما عكسته الصور لا يكون سوى جزء ضئيل، لا الغابة بطولها وعرضها كما أُشيع.
ومعروف أن الحرب تركت آثارها في مختلف المرافق والأعيان والطرق، بصورة تؤكد أن الهدف،فيما يبدو، هو تشويه وجه العاصمة وجعل الحياة فيها أكثر قسوة وعصية على من يعود إليها. لذلك يُرجَّح أن هذا القطع الجائر للأشجار تم خلال فترة تواجد قوات الدعم السريع في الخرطوم، بدليل ما ظهر من آثار استخدام المناشير. غير أننا لا ندري هل هو تخريب عفوي أم تعدٍ ممنهج للاستفادة من أخشاب تلك الأشجار في صناعة الأثاث، أو حتى استخدامها كوقود للطهي، كما ثبت في حالات تحطيم بعض الدور للاستفادة من أخشابها في إعداد الطعام.
وبينما كنت أتناول هذا الموضوع، نقلتني الذاكرة إلى عنوان أحد دواوين الشاعر الفلسطيني الراحل معين بسيسو: (الأشجار تموت واقفة)، فتحرّكت ملكة الشعر في داخلي لتفرض هذه الأبيات حضورها:
لو غيض الزمان للأشجار أن تلقي عصا ترحالها وتستريح عاكفة
لأن مورد الحياة أحكم الخناق حولها لكي تودع الثبات ناشفة
فلن تموت إلا واقفة
لأنها معتزة بأصلها الكريم، والجذور تحت الأرض زاحفة
وحيث إنها تعطي طوال عمرها ظلالًا وارفة
ما هان أن تُسقِط أساس قامة إلى العُلا مديدة
ما كان أن تُطفئ نضار أوراق عديدة
بقسوة الأداة الجارفة
ولو في جوفها العميق كانت نازفة

Leave a Reply