أبو بكر الطيب
هناك فرق تهبط بسبب سوء النتائج، وهناك فرق تهزمها الظروف قبل أن تهزمها المنافسة. لكن الأصعب من ذلك كله، أن تجد نادياً يدخل موسمين كاملين وهو يحمل فوق ظهره أعباءً ليست أعباءه، ويقاتل في معركة لم يختر توقيتها، ولا ملعبها ولا خوضها ثم يُطلب منه بعد كل ذلك أن يبتسم وكأن شيئاً لم يكن.
هذه هي حكاية نادي كوبر الخرطوم…
حكاية نادٍ لم يدخل الممتاز في الموسمين الأخيرين من باب الرغبة الكاملة، ولكنه دخل تحت عنوان قديم يعرفه السودانيون جيداً:
“مكرهٌ أخاك لا بطل.”
فبعد أن كانت الخرطوم تضمّد جراحها الثقيلة، وكانت الأندية تعيش واقعاً استثنائياً لا يحتاج إلى شرح، اتفقت أندية العاصمة يومها على موقف جماعي واضح: الاعتذار عن المشاركة في الدوري الممتاز إلى أن يعود استقرار الأوضاع وتهيئة الحد الأدنى من العدالة والظروف الطبيعية للمنافسة.
كان الاتفاق يومها أشبه بـ”ميثاق نجاة”.
ودنوباوي اعتذر.
الزومة اعتذر.
توتي اعتذر.
لكن ما حدث بعد ذلك كشف كيف تُدار بعض الملفات في الكرة السودانية بمنطق “تفكيك الصفوف” لا بمنطق معالجة الأزمة.
دخل الاتحاد العام بخطابه المعتاد، وعودٌ مطمئنة، تطمينات مفتوحة، وتعهدات براقة تشبه السراب أكثر مما تشبه الحقائق. قيل لكوبر والأهلي إن الأمور ستكون مختلفة، وإن المعاناة لن تطول، وإن المشاركة واجب وطني ورياضي، وإن الأندية التي تصمد اليوم ستجد التقدير غداً.
فاستجاب كوبر…
ودفع الثمن كاملاً.
دخل النادي موسمين من أقسى مواسمه، ليس فقط على مستوى النتائج، ولكن على مستوى الاستنزاف الإداري والنفسي والمالي. ظل الفريق يسافر ويقاتل ويقاوم، بينما كانت الوعود تتساقط واحدة تلو الأخرى كأوراق الخريف.
وفي كل مرة، كان كوبر يقترب من حافة الوداع ثم يعود بصورة درامية تكاد لا تصدق.
في النسخة الأولى، وصل النادي فعلياً إلى “صالة مغادرة الممتاز”.
انتهت التأشيرة، وأوشك ختم المغادرة أن يوضع على جوازه الرياضي.
لكن شيئاً ما حدث في اللحظة الأخيرة… وكأن القدر قال:
“ليس الآن.”
فعاد كوبر من بوابة الرحيل.
أما هذا الموسم، فقد كانت الدراما أكثر قسوة وأكثر إثارة.
هذه المرة، أقلعت الطائرة بالفعل.
ودع كوبر جماهيره، وكتب الناس عبارات الرثاء الرياضي المعتادة، وبدأ الجميع يتحدث عنه كنادٍ غادر دوري الكبار.
لكن بينما كانت الطائرة تحلق بعيداً عن أجواء الممتاز… حدث العطل المفاجئ!
طعن قانوني قلب المشهد.
قرار استئناف أعاد المباراة.
ومواجهة جديدة أمام الشرطة القضارف تحولت إلى معركة حياة أو موت كاملة.
عاد كوبر إلى المدرج اضطرارياً… لكنه هذه المرة لم يعد خائفاً، ولكنه عاد وهو يعلم أن النجاة لا تُمنح، ولكنها تُنتزع.
دخل المباراة وهو يحمل تاريخ مدينة كاملة فوق كتفيه .
لعب بروح من يعرف أن الهبوط لم يكن قدراً فنياً بقدر ما كان حصيلة تراكمات إدارية ونفسية وقانونية.
وكانت النتيجة لابد أن يستجيب القدر لإرادة الذين رفضوا الاستسلام.
فبقي كوبر في الممتاز…
بعد أن رأى الموت الرياضي مرتين بعينيه.
لكن الحقيقة التي يجب ألا تُنسى هنا، أن قصة كوبر اكبر من احتفال بالبقاء، إنما هي دراسٌ يدرس في إدارة الأزمات” ينبغي أن تُدرَّس لكل أندية السودان.
لقد تعلم كوبر الدرس بالطريقة القاسية، الصعبة وهي أكثر الطرق رسوخاً في الذاكرة.
تعلم أن الوعود الشفهية لا تحمي نادياً.
وأن الابتسامات الإدارية لا تكسب نقاطاً.
وأن التعهدات غير المكتوبة تتحول عند أول أزمة إلى دخان.
وتعلم أيضاً أن النادي الذي لا يبني لنفسه ظهراً قانونياً قوياً، سيظل دائماً الحلقة الأضعف عند أول منعطف.
هذه التجربة يجب أن تغيّر عقلية كوبر مستقبلاً.
فالنادي الذي نجا مرتين من حافة الهاوية، لا يحق له أن يعود مرة ثالثة بنفس الأخطاء.
على كوبر أن يتحول من “نادي ردّ فعل” إلى “نادي تخطيط”.
من نادٍ يعيش على النجاة اللحظية إلى مؤسسة تعرف كيف تحمي نفسها قبل وقوع الخطر.
وعليه أن يدرك أن الإدارة ليست مجرد تسجيل لاعبين وخوض مباريات،وإنما هي قراءة للمشهد، وتقدير للمخاطر، وامتلاك للشجاعة عندما تحاول بعض الجهات دفعك إلى معركة غير محسوبة.
لقد خرج كوبر من هذه الأزمة أكثر وعياً…
وأكثر صلابة…
وأكثر إدراكاً أن الأندية الصغيرة لا يحميها أحد إن لم تحمِ نفسها بنفسها.
أما الاتحاد العام، فعليه أن يراجع كثيراً من طريقته في إدارة الأزمات، لأن سياسة “الترقيع بالوعود” لم تعد تصلح لكرة تتقاذفها الأزمات من كل جانب.
اليوم يفرح كوبر بالبقاء، ومن حقه أن يفرح.
لكن الأهم من البقاء نفسه، أن يتحول هذا الألم الطويل إلى ذاكرة إدارية لا تُنسى.
فبعض الأندية تهبط فتتعلم…
وبعضها يبقى ثم يكرر أخطاءه حتى يسقط لاحقاً بلا عودة.
أما كوبر، فقد عاد من آخر الممرات، وعاد وهو يحمل في قلبه درساً لا يُشترى:
أن النادي الذي ينجو من الموت مرتين، لا يجوز له أن يعيش المرة الثالثة بعقلية الأمس.
واهلك العرب قالوا:
“الذي يلدغه الوعد مرة… يحرس أبواب الحقيقة ألف مرة.
ومن تعثر بحجر مرتين، استحق العمى
إِذا رُمِيتَ مِنَ الأَيّامِ عَنْ كَثَبٍ … فَلا تَكُنْ سَبَبَاً في عَوْدَةِ الرَّمْيِ
مَنْ يَقَعْ في الجُحْرِ مَرَّتَيْنِ واهِمَةً … فَلَيْسَ يَعْرِفُ مَعْنَى الحَذَرِ وَالفَهْمِ
والله المستعان

Leave a Reply