أسراب في السماء..  هل تعيد المسيّرات تشكيل الصراع في السودان؟

صحيفة الهدف

لم تعد الحرب في السودان تُخاض فقط على الأرض. فمع التصاعد المتسارع لاستخدام الطائرات المسيّرة، دخلت المواجهة طورًا مختلفًا، يتسم بمرونة عالية في الضربات، واتساع غير مسبوق في نطاق الاستهداف، مقابل تعقيد متزايد في فرص الوصول إلى تسوية سياسية.

الضربات التي طالت الخرطوم وأطرافها بحسب”اسكاي نيوز”، وامتدت إلى أم درمان والأبيض والنيل الأبيض، مرورًا بمدن دارفور مثل نيالا وزالنجي، تعكس تحوّلًا عميقًا في أدوات القتال. لم يعد الانتشار العسكري التقليدي شرطًا لإدارة المعركة، إذ بات بالإمكان تنفيذ عمليات مؤثرة من مسافات بعيدة، وبكلفة محدودة، وبزمن استجابة قصير.

هذا النمط الجديد من القتال لا يغيّر فقط شكل العمليات، بل يعيد تعريف منطق الحرب نفسها؛ حيث يصبح الاستنزاف خيارًا مفضّلًا، بدل الحسم السريع، وتغدو القدرة على الاستمرار أهم من القدرة على الانتصار.

 المدنيون في مرمى الخطر

تزايد استخدام المسيّرات دفع الأمم المتحدة إلى إطلاق تحذيرات متكررة، ووصفت الهجمات بأنها مصدر قلق بالغ، نظرًا لما تسببه من تهديد مباشر للمدنيين.

وبحسب بيانات المنظمة، فقد أدت الضربات الأخيرة إلى نزوح أكثر من 2600 شخص في شمال كردفان، ونحو 1000 آخرين في جنوب كردفان خلال أسبوع واحد، في مؤشر على تسارع التأثيرات الإنسانية.

المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، أشار إلى حادثة إسقاط طائرة مسيّرة فوق مطار الخرطوم، وما ترتب عليها من تعطيل الرحلات الجوية، محذرًا من أن المطار يمثل شريانًا أساسيًا لوصول المساعدات.

كما شددت الأمم المتحدة على ضرورة حماية البنية التحتية المدنية، في ظل تزايد استهدافها، وهو ما أكده وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر، الذي وصف السودان بأنه أصبح “ساحة اختبار للفظائع”، مع تزايد استهداف المدارس والمستشفيات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 700 شخص لقوا حتفهم هذا العام نتيجة هجمات بالطائرات المسيّرة، إلى جانب مقتل 130 عاملًا إنسانيًا خلال السنوات الثلاث الماضية.

تكلفة أقل أثر أكبر

التحول إلى استخدام الطائرات المسيّرة لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل انعكاس لتغير أعمق في طبيعة الصراع. فهذه الوسائل تتيح تنفيذ عمليات واسعة دون الحاجة إلى حشود عسكرية كبيرة أو خطوط تماس مباشرة.

الخبير العسكري العميد محمد عوض يرى أن هذا النمط يفتح المجال أمام ضربات دقيقة وسريعة، مع تقليل كلفة العمليات، لكنه في المقابل يرفع من احتمالات سقوط ضحايا مدنيين، بسبب طبيعة الأهداف واتساع رقعة العمليات.

ويضيف أن ما يجري يندرج ضمن ما يُعرف بحروب الاستنزاف الحديثة، حيث لا يسعى أي طرف إلى إنهاء الصراع بسرعة، بل إلى إنهاك خصمه تدريجيًا، وهو ما يفسر استمرار الحرب دون أفق واضح للحسم.

تشابك خارجي 

في موازاة التصعيد الميداني، تتزايد المؤشرات على حضور العامل الخارجي في الصراع، سواء عبر الدعم العسكري أو شبكات الإمداد.

تقارير دولية تحدثت عن وصول طائرات مسيّرة من طراز “مهاجر-6” إلى الجيش السوداني ضمن شبكة إمداد مرتبطة بإيران، فيما كشفت تحقيقات في أبوظبي وواشنطن عن نشاط شبكات تهريب أسلحة مرتبطة بأطراف مختلفة.

هذا التداخل يعكس أن الحرب لم تعد محصورة داخل الحدود السودانية، بل أصبحت جزءًا من توازنات إقليمية أوسع، ما يزيد من صعوبة احتوائها أو عزلها عن سياقاتها الجيوسياسية.

العمل الإنساني تحت النار

التحول في طبيعة القتال ألقى بظلاله الثقيلة على الوضع الإنساني، حيث لم تعد مناطق الإغاثة بعيدة عن الخطر.

بيانات مرصد النزاع الدولي تشير إلى ارتفاع بنسبة 47% في استخدام الطائرات المسيّرة خلال العام الماضي، مع تسجيلها كعامل رئيسي في غالبية إصابات الأطفال وقتلهم.

منظمات الإغاثة تؤكد أن التحدي لم يعد يقتصر على إيصال المساعدات، بل يشمل حماية العاملين أنفسهم، في بيئة باتت فيها الضربات الجوية غير المتوقعة تهدد كل تحرك إنساني.

وفي الوقت ذاته، تشير تقارير أممية إلى تراجع حاد في الإنتاج الزراعي وتوقف قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، ما يهدد بتفاقم الأزمة الغذائية وتحولها إلى حالة مزمنة.

لماذا يتعثر السلام؟

رغم الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار، لا تزال المبادرات السياسية تصطدم بعوائق داخلية معقدة.

تحليلات سياسية تشير إلى أن مراكز نفوذ داخل السلطة العسكرية والسياسية لا ترى في إنهاء الحرب أولوية، بل تعتبرها أداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي.

كما تتحدث هذه التحليلات عن دور للتيارات الإسلامية المؤثرة داخل الجيش والسلطة في بورتسودان، في تعطيل بعض المبادرات، بما في ذلك الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التهدئة.

هذا الواقع يجعل أي مسار تفاوضي عرضة للتعثر، في ظل تضارب المصالح وغياب توافق حقيقي حول شكل المرحلة المقبلة.

حرب ممتدة وسلام بعيد

المشهد الحالي في السودان يعكس انتقالًا من حرب تقليدية إلى صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه التكنولوجيا العسكرية مع الاقتصاد غير الرسمي، ومع حسابات السلطة والنفوذ.

وفي ظل هذا التعقيد، يصبح وقف الحرب أكثر إلحاحًا، لكنه في الوقت ذاته أكثر صعوبة، لأن جذور الأزمة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية وهيكلية.

ومع استمرار هذا المسار، تبدو الحرب مرشحة للاستمرار، ليس بسبب قوة أطرافها، بل بسبب طبيعتها الجديدة التي تسمح لها بالبقاء دون حسم.

وفي النهاية، لم تعد السماء مجرد مسرح للعمليات… بل أصبحت عنوانًا لمرحلة كاملة من الصراع، حيث تُدار الحرب من الأعلى، بينما يظل السلام معلقًا على الأرض.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.