جدلية الإيمان والوعي والمسؤولية في الفعل القومي: نحو فهم وجودي للتضحية

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

استلهاماً من مقالات (في سبيل البعث) التأسيسية – في الإيمان، والانقلاب، وحول الانقلابية – حيث رسمت ملامح نظرية للنضال لا تقوم على الحسابات الباردة وحدها، بل على قفزة الإيمان الأولى، وعلى الوعي الذي يحول الانطباع إلى التزام، وعلى الاستعداد لتحمل المشقة التي وإن كانت محتومة، فهي غير مرغوبة لكنها وحدها تصنع الفارق بين من يمر بالتاريخ ومن يصنعه.

من منظور فلسفي، يمكن فهم هذا المسار ضمن ما يُعرف بالجدل بين الفكرة والفعل، حيث لا يتشكل الوعي بوصفه معرفة محايدة، بل كقوة دافعة نحو التغيير. وهو ما يتقاطع مع التصور الهيغلي للحركة التاريخية، ومع مفهوم (الممارسة) في الفكر الثوري، حيث لا تكتمل الفكرة إلا بتحولها إلى فعل، ولا يكتسب الفعل معناه إلا بمرجعيته الفكرية.

ليست القومية مجرد حالة عاطفية، ولا الوطنية مجرد انتماء جغرافي. القومية، في جوهرها، هي وعي الإنسان بانتمائه إلى أمة تمتد في التاريخ والجغرافيا والمصير. والوطنية هي إدراكه لمسؤوليته تجاه الحيز المكاني الذي يعيش فيه. لكنهما معاً، في العمق، سؤالٌ عن معنى الإنسان حين يختار أن يكون جزءًا من مصيرٍ أكبر منه. ذلك أن الأمة لا تُبنى بالانتماء وحده، بل بالقدرة على تحويل هذا الانتماء إلى وعي، ثم إلى التزام، ثم إلى فعلٍ يتحمل كلفته.

الإيمان، في لحظاته التأسيسية، لا يلغي المعرفة ولا يناقضها، بل يسبقها كشرط لإمكانها. فهو ليس نقيض العقل، بل لحظة انطلاقه الأولى، تلك التي تمنح الفعل شرعيته قبل اكتمال برهانه. غير أن هذا التقدم الزمني للإيمان على المعرفة لا يمنحه حق الهيمنة عليها، بل يجعله في حاجة دائمة إلى تصحيحها وتقويمها.

غير أن الإيمان، إذا تُرك في عفويته، قد يتحول إلى اندفاع أعمى، وهنا يتدخل الوعي بوصفه القوة المقابلة. الوعي لا يلغي الإيمان، بل يضبطه، يمنحه اتجاهًا، ويحوله من طاقة منفلتة إلى فعل منظم. الوعي هو ما يجعل الانتماء مشروعًا، لا مجرد شعور، وهو ما يحوّل القومية من شعارٍ إلى رؤية.

لكن الوعي، بدوره، ليس نهاية الطريق. لأنه إن لم يتحول إلى التزام، يبقى معرفةً معلّقة. وهنا تتشكل الحلقة الأعمق في أن يدرك الإنسان، ثم يشعر بمسؤوليته تجاه ما أدرك. فالمعرفة الحقيقية ليست تلك التي تُقال، بل تلك التي تحمّل صاحبها عبئًا. وكل وعي لا يفرض التزامًا، هو وعي ناقص، أو ربما زائف.

ليس النضال فعلًا طارئًا يمارس عند الأزمات، بل بنية داخلية تتكون من عناصر متداخلة، لا يستقيم أحدها دون الآخر. يبدأ بالإيمان، لا بوصفه قناعةً ذهنية فحسب، بل كقوة دافعة تعيد تعريف علاقة الإنسان بذاته وبقضيته، إيمان يمنح المعنى قبل أن يطلب البرهان. ثم يتحول هذا الإيمان إلى استعداد، حيث لا يعود الانتماء مجرد شعور، بل حالة جهوزية دائمة لاحتمال الطريق بكل ما فيه من تعقيد وكلفة. ومن الاستعداد تتولد المسؤولية، تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن ما وعاه لم يعد خيارًا، بل التزامًا يفرض عليه موقعًا في معركة الوجود. وعند

هذا الحد، تصبح التضحية ليست فضيلةً إضافية، بل نتيجة حتمية لمسار لا يكتمل بدونها، إذ لا يمكن أن يتحقق أي مشروع كبير دون أن يدفع ثمنه من الجهد والوقت، وربما من الذات نفسها.

ففي ثورة 17-30 تموز في العراق، لم يكن الحسم نتاج إيمان مجرد، بل تفاعلاً عميقاً بين وعي قومي متقد، وتنظيم حزبي متماسك، وإرادة ثورية استعدت لمواجهة أعتى التحديات. تلك الثورة التي غيّرت مجرى تاريخ العراق والأمة العربية، كانت تجسيداً حياً لكيف أن الإيمان بالوحدة والتحرر لا يكفي وحده، بل يحتاج إلى وعي يوجهه، وتنظيم يحميه، وتضحية تدفع ثمنه. وفي الثورة الجزائرية، تجسد الإيمان في استعداد جماعي لتحمل كلفة التحرر عبر حرب طويلة ومعقدة. أما في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، فقد تحول الوعي الشعبي إلى فعل يومي منظم، أعاد تعريف العلاقة بين المجتمع والاحتلال.

وفي هذا السياق، تتكامل عناصر أخرى لا تقل أهمية، مثل الصبر بوصفه القدرة على الاستمرار حين يتآكل الأمل، والانضباط باعتباره تحويل الإرادة إلى نظام، والوعي كحارس دائم يمنع الانحراف أو التبسيط. هكذا يصبح النضال ليس لحظة اندفاع، بل حالة وجودية مستمرة، يعاد فيها إنتاج المعنى بالفعل، ويختبر فيها الإنسان بقدر ما يختار أن يكون.  وعندما يتحول الوعي إلى التزام، يبدأ الامتحان الحقيقي، هو امتحان المسؤولية. فالمسؤولية ليست فكرة، بل عبء، ليست موقفًا نظريًا، بل استعداد لتحمل نتائج الفعل. وهنا، يدخل الإنسان في علاقة جديدة مع ذاته، لم يعد حرًا في أن يختار أو لا يختار، بل أصبح ملزمًا بما وعى، ومحكومًا بما آمن.

ومن هذه النقطة تحديدًا، تولد التضحية لا بوصفها بطولة رومانسية، بل كضرورة منطقية. فحين يلتزم الإنسان بقضية، لا يعود يملك رفاهية الانتقاء، بل يصبح مستعدًا لدفع الكلفة. والتضحية هنا ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل نتيجة حتمية لمسار بدأ بالإيمان، وتبلور في الوعي، وتجسّد في المسؤولية. وهذه العلاقة الجدلية هي ما يعنيه الفكر البعثي بـ(الانقلاب) – ليس كحدث سياسي عابر، بل كتحول وجودي في الإنسان والمجتمع، يبدأ من الداخل (الإيمان والوعي) ثم يمتد إلى الخارج (الفعل والتضحية).

وهنا تحديداً تكمن رسالة هذا المقال في أن التغيير المنشود – في السودان، وفي فلسطين، وفي أي قطر عربي يسعى للتحرر – لن يتحقق بمجرد الشعارات، ولا بالخطط والبرامج وحدها، بل بهذه العلاقة الجدلية الحية بين الإيمان الذي يسبق والوعي الذي يضبط والمسؤولية التي تتحمل والتضحية التي تدفع. فكل مشروع نهضوي، مهما كانت تفاصيله، يبقى معلقاً في الهواء ما لم يجد من يحمله بهذه الدرجة من التكامل الداخلي.

غير أن هذا المسار لا يخلو من مفارقة قاسية، فالمشقة فيه حتمية، لكنها غير مرغوبة. الإنسان، بطبيعته، ينفر من الألم، لكنه في لحظة الالتزام يكتشف أن الطريق الذي اختاره لا يمكن أن يُسلك دون ثمن.  هذا المسار ليس مجرد بناء نظري، بل تجربة إنسانية يومية يعيشها العامل، والطالب، والمثقف، والجندي. كل من يدرك فجوة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، يجد نفسه أمام هذا الامتحان، هل يكتفي بالفهم، أم يتحول إلى فاعل يتحمل كلفة ما فهم؟ وهنا تتكشف الحقيقة العميقة، في أن القضايا الكبرى لا تُنجز بالرغبة، بل بالقدرة على احتمال ما لا يُرغب.

ففي هذا الترابط الجدلي—بين الإيمان الذي يسبق المعرفة، والوعي الذي يفرض الالتزام، والمسؤولية التي تستدعي التضحية—تتحدد شروط الفعل القومي والوطني. فالتفريط في أحد هذه الأعمدة لا يؤدي إلى نقصٍ جزئي، بل إلى انهيار المسار كله. إيمان بلا وعي يتحول إلى فوضى، ووعي بلا التزام يتحول إلى ترف، والتزام بلا تضحية يبقى ادعاء بلا أثر. ولعل أزمة اللحظة الراهنة لا تكمن في غياب الشعارات، بل في تفكك هذه السلسلة. حيث أصبح الإيمان منفصلًا عن المعرفة، والوعي منفصلًا عن الالتزام، والمسؤولية مؤجلة إلى أجل غير مسمى. وفي عالمٍ تتراجع فيه قيمة الإنسان في حسابات السياسة الدولية، لا يصبح التغيير ممكنًا إلا بإعادة بناء هذه العلاقة الجدلية في داخل الفرد قبل أن تتجسد في المجتمع.

ذلك أن الأمم لا تنهض بما تعرفه فقط، بل بما تؤمن به، وما تلتزم به، وما تضحي من أجله. وبين هذه المستويات، يتحدد مصيرها، فإما أن تتحول إلى قوة فاعلة في التاريخ، أو تبقى مجرد موضوع فيه. لأن أخطر ما يواجه الفعل القومي اليوم ليس القمع الخارجي فقط، بل الانفصال الداخلي بين عناصره، إيمان بلا وعي يتحول إلى تعصب، ووعي بلا التزام يتحول إلى ترف فكري، والتزام بلا تضحية يتحول إلى خطاب أجوف. وفي هذا التفكك، تفقد القومية معناها، وتتحول الوطنية إلى شعار بلا مضمون.

بالتالي فالتغيير المنشود لا يطلب، بل يصنع. ولا يصنع بآلات ولا بأموال، بل بأناس آمنوا قبل أن يفهموا، وفهموا فالتزموا، والتزموا فضحوا. وهذه هي الفلسفة التي لا تموت، لأنها مبنية على ما لا يموت في الإنسان، وهو الإرادة الحرة، والوعي الناقد، والاستعداد للمشقة. وهو ما عبرت عنه (في سبيل البعث) قبل عقود، وما نعيد اليوم اكتشافه في زمن تراجعت فيه القيم إلا لدى من تمسكوا بجذورهم. فهل من مستمع؟ ففي عالم تتراجع فيه قيمة الإنسان لصالح الحسابات الباردة، لا يعود السؤال، ماذا نعرف؟ بل ماذا نحن مستعدون أن نفعل بما نعرف؟ فالتاريخ لا يكتب بالمعرفة وحدها، بل بتلك اللحظة التي يتحول فيها الفهم إلى التزام، والالتزام إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى استعداد لدفع الثمن. هنا فقط، تتجاوز القومية كونها فكرة، وتصبح تجربة وجودية، ويتحول الإنسان من شاهد على التاريخ إلى صانع له.

أما الذين يؤجلون الإيمان حتى تكتمل المعرفة، أو يؤجلون الالتزام حتى تزول الكلفة، فإنهم—دون أن يدركوا—يؤجلون التاريخ نفسه. وفي النهاية، لا يكون السؤال هل نريد التغيير؟ بل هل نحن مستعدون أن ندفع ثمن أن نكون جديرين به؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.