مجدي علي
وهل خرج أحدٌ من هذه الح.رب محتفظًا بكامل صحّته وقوّته وثباته؟
حين خرج عثمان بشرى من بحري، في ذروة هذه الح.رب اللعينة، لم يكن يحمل سوى أشياء لا تكفي حتى لرحلة قصيرة: ملاية، شبشب، بنطلون، ومخدّة.. لكن الأثقل من ذلك لم يكن ما في يده، بل ما يثقل داخله: جسدٌ منهك، ومرضٌ لا يحتمل التأجيل، وح.ربٌ لا تمنح أحدًا مهلة للنجاة.
#اضغط_الرابط_في_أول_تعليق:
=================
في ذلك الصباح الثقيل، كانت بحري تشتعل، وكانت الح.رب تفتح فمها على اتساعه. لم يكن أمامه سوى أن يمشي، أن ينجو، أن يساوم الموت على بعض الوقت. في تلك الأيام، لم يكن الشعر هاجسه، ولا الكتابة ملاذه، بل البقاء.. فقط البقاء.
مرّت أيام دون غسيل كلى، وهو يتنقّل بين الكدرو وشندي وعطبرة، يبحث عن فرصة علاج، مدفوعًا بمحبّة الناس أكثر مما تدفعه الطرق. كانت الرحلة تُنسج من تفاصيل صغيرة لكنها حاسمة: شابٌ يقوده وسط الخطر، سائقٌ يغامر بحياته لينقله، أسرة تفتح له بابها في الليل، وأطباء يمنحونه جلسة مؤجلة من الحياة، في واقعٍ بدا فيه أن الزمن نفسه يُعاد ترتيبه تحت وطأة الانتظار القاسي.
وفي حلفا بلغت القسوة ذروتها.. هناك، حيث تتشابه الوجوه وتتكاثف الحكايات، لم يجد غرفة ولا سريرًا. نام في العراء، سقفه السماء ولحافه الأرض، وسط جموعٍ هاربة بدورها، كأنها تسير نحو مصيرٍ غامض. كان المشهد أقرب إلى يوم حشرٍ دنيوي، لا يملك فيه الإنسان سوى الانتظار. خرج لا بوصفه مسافرًا، بل ناجيًا مؤقتًا، كمن يُؤجِّل خسارته الكبرى.
لم يكن الطريق إلى القاهرة قرارًا مدروسًا، بل نتاج اضطرارٍ تراكمي بدأ بلحظة خوف، ثم تمدّد وتكاثر حتى صار رحلة معاناة طويلة، امتدت أسابيع بين الرصاص والعطش، وبين انتظار جلسة غسيل كلى قد تأتي.. أو لا تتوفر. هكذا بدأت الحكاية: شاعرٌ يطارد الحياة فيما يطارده المرض، يسير بين الرصاص وحاجته الملحّة إلى الغسيل، كأن جسده نفسه صار ساحة ح.ربٍ موازية، لا هدنة فيها ولا يقين.
وحين وصل القاهرة، بعد كل ذلك العناء، لم يصل بوصفه شاعرًا تُفتح له الأبواب، بل جسدًا نجا بالكاد. أسابيع الانقطاع عن العلاج المنتظم تركت أثرها العميق، لا على صحته فحسب، بل على توازنه النفسي أيضًا. حتى اللغة نفسها لم تعد طيّعة بين يديه؛ دخل في حالة ارتباك وبيات، وكأن الإيقاع الداخلي للحياة قد انكسر بالكامل.
قد يقول قائل إن مئات الآلاف مرّوا بما هو أشدّ من ذلك.. نعم. فالمأساة لم تُفرِّق بين الناس، وكلهم في ميزان الألم سواء. لكن عثمان بشرى ليس عابرًا في المشهد، ولا رقمًا في سردية الخراب؛ هو، لمن لا يعرفه، حالة شعورية وشعرية خاصة.. كائنٌ شديد الحساسية، ووديع على نحوٍ يكاد يكون مؤلمًا. والشعراء بطبيعتهم لا يحتملون الفجيعة كما يحتملها الآخرون؛ أرواحهم الزجاجية تُصاب بالخدش من أقلّ ما يُصيب العالم من قسوة، فكيف إذا انفتح الجرح على اتساع وطن؟ وكيف إن كان من أشعرهم؟
عند عثمان، لم يكن الشعر مجرد اختيار، بل قدرًا كاملاً.. مسار حياة لا ينفصل عن وجوده. منذ أواخر الثمانينيات، بزغ صوته واحدًا من الأصوات المختلفة في الشعر السو.داني، حتى رسّخ حضوره مع ديوانه الأول (الكائن الخلوي)، وهو عنوان لم يكن مجرد تسمية، بل توصيفًا دقيقًا لكينونته: كائن يعيش داخل اللغة، ويتنفسها، ويتوارى في خلاءاته الخاصة، كما لو كان نصًا يمشي على قدمين.. ومنذ ذلك الحين ما زال يتحفنا بأجمل الأشعار.
عُثمان، كذلك، من القلّة الذين أسهمت تجربتهم في كسر الحدود بين العامية والفصحى، لا بوصفها حالتين منفصلتين، بل باعتبارها فضاءً واحدًا يخلق منه لغةً ثالثة نابضة تستمد روحها من الشارع، وترتقي في الآن نفسه إلى أفق الشعر. لذلك بدا نصه بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره، مثل روحه، قادرًا على تحويل التفاصيل اليومية إلى كثافة شعرية لافتة.
وعثمان بشرى، أيضًا، لم يكن صوتًا منفصلًا عن الشأن العام. ظلّ منحازًا للإنسان البسيط، ناقدًا للسلطة، واعيًا بأن الثورة مشروع وعي وبناء، لا مجرد هتاف عابر. في نصوصه، يتجاور الألم الفردي مع الهمّ الجماعي، ويتحوّل الشعر إلى أداة مساءلة، لا مجرد تعبير. لكن المفارقة القاسية أن هذا الشاعر الذي راهن على الجمال، وجد نفسه في قلب قبحٍ شامل: ح.رب، مرض، منفى، وضيق أفق.
اليوم، في القاهرة، يخوض عثمان معركة أخرى. ثلاث جلسات غسيل أسبوعيًا ليست خيارًا، بل شرط بقاء. لكن كلفة العلاج والمعيشة تفرض عليه عبئًا يوميًا قاسيًا، كأن الرحلة لم تنتهِ، بل غيّرت شكلها فقط. وبين جلسة وأخرى، يعيش قلقًا مستمرًا.. كأن الحياة نفسها أصبحت مؤقتة، تُقاس بالأيام لا بالسنوات.
ومع ذلك.. لا يزال هناك ما يقاوم. في عمق هذا التعب، لا يزال عثمان حاضرًا، يلوذ بالصبر، ويقاوم الانكسار بما تبقّى له من عزيمة، دون ما يكفي لإنقاذه من الداخل، أو حتى ما يذكّره بأنه لم يفقد كل شيء. بينه وبين الحياة الآن مسافة من الألم، ومسافة من الانتظار، ومسافة أخرى من رجاءٍ خافت.
وحين نكتب عن عثمان بشرى، فنحن لا نكتب عن مجرد شاعرٍ يمر بأزمة صحيّة، بل عن صورة مكثفة لمعاناة جيلٍ كامل، جيلٍ دفعته الح.رب إلى المنافي، وأثقلت عليه الحياة حتى كادت تسلبه صوته. ومع ذلك، فإن قصّته ليست فقط قصّة ألم، بل أيضًا قصّة معنى: كيف يظل الإنسان إنسانًا، حتى وهو يعبر كل هذا الخراب!!
الدعوات التي أطلقها أصدقاؤه ومحبّوه للوقوف معه، ليست تعاطفًا عابرًا، بل استحقاق حقيقي.. نرجو أن يتصاعد ويكتمل ويثمر حتى تمام الصحة والعافية. شاعرٌ بهذه القيمة، وبهذا التاريخ، وبهذا الأثر، لا ينبغي أن يُترك وحيدًا في مواجهة المرض؛ ليس لأنه شاعر فحسب، بل لأنه واحدٌ من الذين منحونا متعة القراءة، ووهبونا لغةً لنفهم بها أنفسنا.
في زمنٍ تُهدر فيه القيم، ويُترك المبدعون في الهامش، تبدو الوقفة مع عثمان بشرى اختبارًا أخلاقيًا لازمًا، قبل أن تكون مبادرة إنسانية. إن ما يحتاجه عثمان بشرى اليوم ليس التعاطف وحده، بل “شبكة إنقاذ حقيقية” تضع حياته الصحية في أولوية الفعل الإنساني، باعتبار أن حماية المبدعين ليست خيارًا أخلاقيًا فقط، بل جزءًا من حماية الذاكرة الإبداعية نفسها.
قد لا تكون الحكاية، في جوهرها، عن شاعرٍ مريض.. بل عنّا نحن: عن قدرتنا على أن نكون أوفياء، وعن معنى أن تتحوّل المحبة إلى فعل..
#السودان #عثمان_بشرى #الشعر_السوداني #ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #إنسانية #أدب_المقاومة #المبدع_السوداني #Sudan #Poetry #OsmanBushra #Humanity

Leave a Reply