متابعة: ياسر علي إسماعيل
الأبيض.. ضاحية رياض الصالحين
في لحظةٍ مفصلية استدعت فيها “عروس الرمال” إرثها الضارب في الجذور، وتجلى فيها عزم الرجال على تجاوز المحن؛ شهد منزل الخليفة المهندس الزراعي مكي حمد النيل محمد سعيد بضاحية “رياض الصالحين” بمدينة الأبيض، صباح اليوم، مؤتمراً مهيباً للصلح الأهلي طوى صفحة الخلاف بين مكونات الشنابلة والعركيين من جهة، وقبيلة كنانة من جهة أخرى، ليرسل رسالةً قويةً مفادها أن النسيج الاجتماعي في كردفان الكبرى عصيٌ على التمزق رغم جراحات الحـ.رب وابتلاءات الراهن.
كرمٌ حاتمي واستقبالٌ يليق بالحدث
منذ الساعات الأولى للصباح، تحول منزل الخليفة مكي (مربع 7) إلى خلية نحل، حيث توافدت وفود الإدارة الأهلية بنظارها وعمدها ومشايخها، يتقدمهم العلماء ورجال الدين. وبكرمٍ حاتمي معهود لأسرة الخليفة وجيرانه، تناول الحضور وجبة الإفطار في أجواءٍ مفعمة بالود والتقدير، قبل أن تنطلق الجلسة الرسمية لمؤتمر الصلح التي اتسمت بالشفافية والحرص على “جبر الخواطر”.
وشهد مراسم الصلح حضورٌ نوعي عكس ثقل المكونات المترابطة، حيث تقدم الحضور، الشيخ إبراهيم الشيخ أبو عاقلة، رئيس السجادة القادرية للعركيين وممثل “خليفة أزرق طيبة” القادم من ولاية الجزيرة. الأستاذ خالد مصطفى آدم، والي ولاية شمال كردفان الأسبق. الدكتور عبد النبي إسماعيل الساير، معتمد محلية شيكان السابق.
وكوكبة من قيادات الإدارة الأهلية ضمت الناظر محمد العبيد عكام (ناظر الشنابلة)، والوكيل الطيب محمد العبيد عكام (رئيس لجنة الصلح)، والوكيل محمد زين أحمد محمد زين (وكيل نظارة البديرية)، بجانب رموز من مكونات اجتماعية كالكبابيش، دار حامد، الجوامعة، البديرية، والجلابة الهوارة.
قرارات اللجنة
بدأت الجلسة بكلمةٍ ترحيبية من وكيل نظارة البديرية، الأستاذ محمد زين أحمد، أشاد فيها بموقف “أهل الدم” من الشنابلة والعركيين وتساميهم فوق الجراح تجاه إخوتهم في قبيلة كنانة. وعقب تلاوة أسماء لجنة الصلح ونيلها الموافقة الإجماعية من الطرفين، انخرطت اللجنة في اجتماعٍ مغلق خلص إلى مبدأ “العفو العام”، مع إقرار “جبر الضرر” بدلاً من الدية التقليدية، حيث تقرر دفع مبلغ 20 مليون جنيه لأهل المتوفى، التزم رجل الأعمال القطب الأهلي الأستاذ سلامة الشويحي بدفع النصف الثاني منها بعد شهر، بينما سُلم النصف الأول فوراً وسط تهليل وتكبير الحضور.
أصداء الحكمة وعبق التسامح
توالت الكلمات لتؤكد على قدسية الدماء، حيث أشار رئيس لجنة الصلح، الطيب محمد العبيد عكام، إلى أن هذا الاتفاق هو “رسالة لتماسك النسيج الأهلي في ظل ظروف البلاد الحالية”. ومن جانبه، أعرب المهندس مكي حمد النيل عن سعادته باحتضان منزله لهذا التلاقي، مؤكداً أن حكمة الرجال هي التي عبرت بالولاية إلى بر الأمان.
وفي كلمةٍ وعظية بليغة، استدل الشيخ إبراهيم أبو عاقلة بآيات الذكر الحكيم، مؤكداً أن السودان بوعي مكوناته هو موطن التسامح. وفي ذات السياق، دعا الدكتور عبد النبي الساير منظمات المجتمع المدني لتعزيز الوعي بخطورة القـ.تل، خاصة في الأشهر الحرم، مشيداً بنموذج “محلية شيكان” في حل القضايا عبر الأعراف الراسخة.
ربط الصلح بظروف الوطن
لم ينفصل الحدث عن سياق الوطن الكبير؛ حيث قدم الدكتور إسماعيل علي الماحي (عميد كلية تنمية المجتمع بجامعة أم درمان الإسلامية) “كبسولة إيمانية” حذر فيها من العصبية القبلية المنتنة، مؤكداً على ضرورة التعاضد في ظل “ظروف السودان الحالية، مترحماً على شـ.هداء مدينة الأبيض الذين سقطوا جراء القـ.صف الغاشم بـ “المسيرات” يوم أمس.
تعارفٌ لا تناكر
اختتم الوالي الأسبق، الأستاذ خالد مصطفى آدم، الصلح بالتأكيد على عبادة “جبر الخواطر” ونشر ثقافة السلام، موضحاً أن القبيلة في الإسلام وسيلة للتعارف (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، وليست أداةً للتمزيق. وشهد المؤتمر عهداً من قبيلة كنانة بزيارة “دكة الشنابلة” لتمتين أواصر القربى، في مشهدٍ جسد انتصار قيم “السودانوية” على دعوات الفرقة والشتات.
#الأبيض #الصلح_الأهلي #شمال_كردفان #الشنابلة #العركيين #كنانة #الإدارة_الأهلية #السودان #جبر_الخواطر #الوعي_المجتمعي #كردفان_الغرة

Leave a Reply