“الهدف” تعيد نشر مقال البروفيسور صديق تاور، المنشور بتاريخ ٢٦ مايو ٢٠١١م في صحيفة “وعي الطلبة”:
(النشاطُ السياسيُّ الطلابيُّ بين حديثِ الرئيسِ وأحداثِ جامعةِ السودان)
في حديث الرئيس عمر البشير لصحيفة «الشرق» القطرية، والذي نشرته جريدة «الصحافة» السودانية، في عددها رقم «8046» بتاريخ 22/5/2011م، ورد أنه: «متاح أمام الجميع التعبير عن آرائهم في مختلف وسائل الإعلام بالداخل والخارج، إيجاباً أو سلباً تجاه الحكومة.. لدينا دستور يتيح الحريات ويكفلها للجميع، لدينا حرية تنظيم الأحزاب، حيث لدينا أكثر من 80 حزباً». كما ورد أيضاً عن فاعلية الأحزاب السياسية: «عندما فتحنا باب تسجيل الأحزاب، تم تسجيل العديد من الأحزاب، لكن عندما جاءت الانتخابات، اتضح أن الكثير من هذه الأحزاب مجرد لافتات وليست أحزاباً حقيقية، لكن لديها عضوية، ولها دورها وتملك حرية التعبير والتنظيم والانتخاب والمشاركة في كل المجالات» انتهى.
وما يهم هنا هو التأكيد على أن الدستور يتيح الحريات ويكفلها للجميع، وأنه متاح أمام الجميع التعبير عن آرائهم إيجاباً أو سلباً تجاه الحكومة، وأن الأحزاب تملك حرية التعبير والتنظيم والمشاركة في كل المجالات. والأهم أن هذا الحديث يصدر عن قمة السلطة «رئيس الجمهورية» ومن أعلى قيادة في الحزب الحاكم، ما يعني أن أي سلوك معادٍ للحريات السياسية من حرية تنظيم أو تعبير أو مشاركة في الشأن العام، فيه تناقض مع الموقف المعلن رسمياً وحزبياً من أعلى قيادة، وفيه أيضاً مخالفة للدستور صريحة. وينطبق ذلك على مجالات ممارسة العمل السياسي كافة في الساحات العامة والأحياء والجامعات وغيرها.
وبالنظر إلى واقع الحال الذي تعيشه الأحزاب السياسية المعارضة لحزب المؤتمر الوطني، فإنها بشكل عام تجد صعوبة بالغة في التعبير عن نفسها أو تنظيم أنشطتها للتواصل مع جماهيرها. والسبب ببساطة هو أنها عملياً تتحرك في مساحة ضيقة جداً من الحرية، وتصارع صراعاً في سبيل انتزاع هذه المساحة الضيقة، نتيجة للتضييق الأمني والتعتيم الإعلامي المفروض عليها.
هكذا تكاد تكون أنشطة هذه الأحزاب منحصرة داخل دورها فقط، بعيداً عن الميادين والساحات العامة، وهو وضع يتعارض بمقدار مئة وثمانين درجة مع النصوص التي تضمنها الدستور الذي أشار إليه الرئيس في حديثه المشار إليه.
أما إذا انتقلنا بالممارسة السياسية إلى ميدان آخر هو مساحة الجامعات والكليات، فإن المصيبة أكبر من أي تصور أو خيال. فالملاحظة الأولية أن هناك تخريباً منظماً للنشاط السياسي الطلابي في جميع الجامعات، تديره مجموعة محدودة ومحددة داخل حزب الحكومة، كثيراً ما سببت الحرج لمنسوبي حزبها من الطلاب العاديين داخل الجامعة المعنية، ومن كثرة هذه الحالات أضحى العنف ملازماً للنشاط السياسي الطلابي بالجامعات، وبمستوى ظل يشكل تهديداً مستمراً للاستقرار الدراسي وسلامة الأرواح والممتلكات من قاعات ومكتبات ومعامل وغير ذلك.
يحدث هذا على الرغم من وجود لائحة لتنظيم النشاط الطلابي في كل جامعة تقريباً، ولكن تدخل أطراف مثل المجموعات التي تأتي من خارج الجامعة أو تواطؤ الإدارة والحرس الجامعي، ظلت تمثل المحركات الرئيسية لظاهرة العنف السياسي في الجامعات لعقدين متتالين ونيف. وبهذه الطريقة لم تعد أركان النقاش والندوات في جامعة الخرطوم أو السودان أو النيلين أو الجزيرة، لم تعد كما كانت في السابق مناسبة يتقاطر إليها الجميع للاستمتاع بالحوار الموضوعي والحجة الدامغة والمنطق الرصين، بل أصبحت مرتبطة في أغلب الأحيان بالسلاح الأبيض وغير الأبيض أحياناً.
وأصبح من مألوف الأحداث التحرش بركن النقاش أو الندوة التي ينظمها الفصيل المعين، ليتطور الأمر إلى عراك بالسيخ والسكاكين والسواطير والجنازير والمواد الحارقة، وهذا انحراف بالممارسة السياسية الطلابية عن أهدافها ومراميها التربوية.
من حيث المبدأ فإن جميع الطلاب المنخرطين في العمل السياسي داخل الجامعة، هم ضروريون للممارسة السياسية ولنجاحها في تحقيق أغراضها التربوية، سواء أكانوا من حزب السلطة أو من الأحزاب المعارضة، لأن هذه الممارسة من الناحية التربوية تقوم على طرح الأفكار والبرامج، والدفاع عنهما بالحجة والمنطق. كما تقوم على الرأي والرأي الآخر، وعلى احترام حق الآخرين في التعبير عن أنفسهم وفق قناعاتهم الخاصة وليس وفق أي اعتبار آخر ترغيباً أو ترهيباً. فالطالب أو الطالبة في المرحلة الجامعية يقضي بضع سنوات تكون هي فرصته الكبرى في تشكيل شخصيته، قبل أن ينتقل إلى المجتمع لممارسة دوره على نطاق أوسع وأعمق. وليس من العقل أن ينحصر جميع الطلاب في نمط واحد من الممارسة أو في حزب واحد، لأنها سُنة الله التي فطر الناس عليها.
وبهذا المفهوم تقع على إدارة الجامعة «أية جامعة» مسؤولية أخلاقية وتربوية نحو الطلاب والطالبات، عند تنظيم وإدارة النشاط السياسي داخل الحرم الجامعي. فالإدارة مسؤوليتها ضمان حق الجميع في ممارسة أنشطتهم بحرية ومساواة، دون أن تنحاز لهذا الطرف أو ذاك. ومن واجبها حماية الحرم الجامعي الذي يتبع لها من أية تعديات أو ممارسات فوضوية من أية جهة كانت، داخل الجامعة أو خارجها، ولا ينبغي لها بأية حال من الأحوال أن تدفن رأسها في الرمال وتغض الطرف عن الممارسات التي تنتقص من حقوق الطلاب، أو تنتهك حرمة الجامعة. وفي هذا يتضح الفرق بين الإدارة المهنية التي تتبوأ موقعها بالكفاءة والأهلية المهنية، وبين الإدارة الحزبية التي بدون انتسابها لحزب السلطة ما كانت لتجد نفسها في الموقع الذي هي فيه. وهذا النوع الأخير من الإدارات هو الذي اعتادت «الإنقاذ؟!» أن تدفع به لإدارة المؤسسات الأكاديمية ــ الجامعية، وبالتالي يخلط هؤلاء بين ولائهم للحزب وامتنانهم له بما تصدق به عليهم من أفضال، وبين توليهم لإدارة مؤسسة تتبع للدولة وليس للحزب، مؤسسة ملك للجميع لا حكراً على أعضاء الحزب ومريديه.
وعلى امتداد عشرين عاماً من هذه الطريقة غير المؤسسية وغير المهنية، شأن الكثير من مؤسسات الدولة التي خربتها سياسات «الإنقاذ؟!» باحتكار المناصب العليا والحساسة لمنسوبيها، واختلال معايير التوظيف بالولاء الحزبي والجهوي، صارت الكثير من هذه المؤسسات أشبه بالأوكار الحزبية منها إلى مؤسسة الدولة، وهذه هي مصيبة الجامعات السودانية اليوم.
ووقوفاً عند أحداث جامعة السودان الأخيرة، فإنه يُلاحظ أن هذه الأحداث تكاد تكون سمة ملازمة للنشاط الطلابي لما يقارب العامين، تخللتها في كل مرة أحداث مؤسفة، ولكن الأكثر وضوحاً هو أن التحرشات والمصادمات التي تحدث لا يمثل الطلاب المحسوبون على حزب المؤتمر الوطني الحاكم العنصر المؤثر فيها، وإنما مجموعات محسوبة عليهم تمتلك إمكانات أكبر من الإمكانات الطلابية العادية. فهؤلاء يمتلكون سيارات وأوكاراً ويتصرفون بطريقة لا تشبه أسلوب الطالب الجامعي المعروف، بحسب ملاحظات الكثير من الطلاب. وقد ظل الجناح الجنوبي بالذات أكثر المناطق اتساماً بالعنف، الذي يتوجه ضد أي حزب معارض بحسب تصاعد نشاطه واتساع قاعدته. وأحداث الأسابيع الماضية كان المستهدف فيها طلاب حزب البعث والمؤتمر الشعبي وآخرين. وقد جرت المصادمات داخل حرم الكلية قبل أن تمتد إلى دار الاتحاد ومنزل قريب من الكلية قيل إنه مخزن للسيخ والسواطير والأسلحة البيضاء.
ومن بين ردود الأفعال تهديد بعض الطلاب وأصدقائهم عن طريق الاتصال بأسرهم، وأكثر من ذلك تعرض ثلاثة طلاب يوم السبت 21/5/2011م إلى محاولة اختطاف من وسط السوق العربي بطريقة مثيرة، وهم: عبد الرحمن عمر، والمقداد صلاح الدين، وحاتم حيدر، وثلاثتهم يدرسون بكلية الهندسة بجامعة السودان. فقد تعرض لكل منهم مجموعة من خمسة أشخاص خلفهم عربة صالون وعربة “بوكس” للتغطية والمراقبة، ولكن تدخل المواطنين الذين تجمهروا في الحال أنقذ اثنين من هؤلاء الطلاب، اللذين تعرضا جراء ذلك لإصابات تلقيا على إثرها العلاج بمستشفى الخرطوم بموجب “أورنيك 8”. أما الطالب الثالث فقد تمكنت مجموعة ثالثة من اختطافه بعربة صالون تتبعها عربة “بوكس” وانطلقت به في منظر استفز أحد أصحاب السيارات الذي اندفع بسيارته خلف هؤلاء المختطفين برفقة بعض الحاضرين، إلى أن تمكنوا من اللحاق بهم في «حلة كوكو» وأنقذوا الطالب المختطف، وتم تدوين بلاغ بذلك في قسم الشرطة حسب إفادة بعض الطلاب.
في كل الأحوال لا يمكن اعتبار ما حدث مستوىً اعتيادياً من التجاوزات مهما كانت الأسباب والدوافع؛ لأن فيه ما فيه من ممارسات غريبة على الوسط الطلابي وعلى البيئة الجامعية وعلى الممارسة السياسية السودانية عموماً. وهذا مستوى جديد من العنف الذي يتجاوز حدود الجامعة لينتقل إلى الشارع العام والسوق والأحياء؛ وبذلك يسيء إلى الجامعات السودانية عموماً أيما إساءة، ويسقط عنها الاحترام في نظر أي مواطن، وهذه ممارسات يجب عدم السماح بها.
وفي تقديرنا أن المسؤول الأول عما يحدث في جامعة السودان هو مدير الجامعة، باعتباره أعلى سلطة قرار، وله من الصلاحيات ما يجعله يتدارك الأمور قبل استفحالها، اللهم إلا إذا كان يريدها أن تسير في هذا المسار. فكان بمقدور مدير الجامعة إجراء تحقيق مع أفراد الحرس الجامعي عن كيفية دخول أشخاص بأسلحة بيضاء وبمجموعات كبيرة إلى داخل الحرم الجامعي، وبمقدوره أن يحرص على تحديد أطراف المشكلة وتحديد الطرف المتجاوز واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقه. وبمقدوره بصفته مسؤولاً عن حماية وسلامة أي طالب أثناء ساعات الدوام، أن يتخذ إجراءات قانونية ضد من يقتادون طلاباً من بوابة الكلية إلى جهة مجهولة ويعيدونهم بعد ساعات وقد حلقوا رؤوسهم، وهكذا. وإذا لم يكن بمقدور مدير الجامعة أن يحافظ على حرمة مؤسسته أو يضبط الممارسة السياسية بما يجعلها تأخذ صورتها المطلوبة تربوياً، وإذا عجز عن منع جامعته من أن تتحول إلى مسرح دائم للعنف والفوضى لأكثر من عام، فما الذي يبقيه على رأس هذه الجامعة؟!
والمسؤول الثاني عما يحدث هو أمين التنظيم بحزب المؤتمر الوطني، الذي يتم باسمه (أي الحزب) هذا النوع من الممارسات والتجاوزات. ومسؤوليته تربوية بالدرجة الأساس نحو منسوبي حزبه ونحو الآخرين من الطلاب؛ فهو بحكم موقعه يعلم من يقومون بتصعيد سقوفات العنف المنظم، وله القدرة على التوجيه والقرار والحسم، وهو بصفته مسؤولاً كبيراً في حزب حاكم معنيٌّ بالاستقرار وبهدوء الأحوال وبانتظام سير الدراسة والعمل في هذه المؤسسات الحساسة.
أخيراً، فإن قضية حرية النشاط الطلابي هي قضية كبيرة ومهمة من الناحيتين التربوية والأخلاقية، ومهمة من زاوية تنشئة الأجيال لتحمل المسؤولية بروح عالية، وتقبل الآخر باحترام ورحابة صدر؛ بينما العنف -باعتباره ممارسة- ينم عن العجز والإفلاس، ويقدم قيادات غير مدربة مستقبلاً، وهذا فيه خسارة للبلد عموماً. وبالتالي فإن تخريب الممارسة السياسية في الجامعات أو غيرها فيه تناقض بيِّن مع الموقف الرسمي المعلن للحكومة في شخص رئيسها.
#الهدف #وعي_الطلبة #ذاكرة_النضال #صديق_تاور #جامعة_السودان #السودان #النضال_الطلابي #الحرية_السياسية #الحرية_الأكاديمية #تاريخ_السودان #حزب_البعث #الوعي_القومي #لا_للعنف_الطلابي #أمة_عربية_واحدة #العدالة_الاجتماعية #السودان_اليوم #حزب_المؤتمر_الوطني #الانقاذ #الحركة_الطلابية #المقاومة_المدنية #حقوق_الطلاب #أخبار_السودان

Leave a Reply