محمد حماد عبدالمنعم
تاريخنا الوطني مليء بركام الخيبات، وشجرة الحياة عندنا ليست مورقة؛ شجرة حياتنا السودانية بدأت في الذبول منذ الاستقلال. وهذا نراه في قراءاتنا لسيرورة تاريخنا، وكمية الأحداث التي تضمنت قمع وتهميش أي “حركة تنويرية”، وكل عملية من عمليات الانتقال، بالإضافة إلى دلائل الواقع، وصراع الأجيال، وتربية ورعاية بُنى الاستبداد؛ وآخرها نشاط وفاعلية “الاستبداد الاجتماعي في بيئاتنا السودانية”.
وقد نشبت حـ.ـروب كثيرة في بلادنا، وليست آخرها حـ.ـرب 15 أبريل 2023م التي توسعت نطاقات دوائرها الدموية الممتدة جذورها. وهذه المرة هي أخطر من سابقاتها نتيجة تعقيدات الأوضاع وتشعّب الأشياء، وصار كل منا يرى حسب موقعه لاعتقاده امتلاك الحقيقة. بل صار كل منا يرى أن هناك دماءً تخصه وهي الأكثر قداسة، ولا بد أن تقتص وتواجه الآخرين، وغير مهم من هم هؤلاء الآخرون؟! وفي الحقيقة هم سودانيون. وصحيح أن هناك مجموعات نخبوية ومثقفة، ومجموعات إثنوغرافية، وضعتهم الحـ.ـرب أمام أقدارها، ومن هذه الأقدار «قدر المواجهة المباشرة وغير المباشرة» ولا مخرج من الفرار، بل هو موت وطمس لانشداد الخير والتدافع في الحياة.
فانقسم السودانيون هذه المرة بين “مؤيد ورافض”، والذين يدعون للحياة وانشداد الخير والتدافع لا يهتم لأمرهم أحد، سوى بالحجج الواهية، واللجج الفارغة، والجدل المزخرف بالضغائن؛ وبغض النظر عن كل ذلك، يجب الاعتراف بـ “صحة الانتهاكات الجسام التي وقعت”. ولأننا لا نحسن ولا نجيد العيش الحقيقي معاً، تعقدت الأمور والأوضاع أكثر مما هي عليه. ولأننا نهاجم “الآخر” والمختلف قبل أن يبدأ بالحديث، تطورت أدوات الصراع وصارت عالية الدرجات من الحدة والقسوة، بتدفق منابعها وكثرة مصادرها.
وفي مثل هكذا بيئات، وبدرجاتها العالية من “الانتهاك”، يصعب جداً الحديث عن السلام في «عدالته الانتقالية والاجتماعية» واقتراح واجتراح المقولة العظيمة: “نغفر ولكننا لا ننسى”. إن درجات وعمليات الاعتداء بين السودانيين فيما بينهم، من نهب للممتلكات، واغتصاب للنساء، وهدر للأرواح، من الطبيعي أن تقابلها رغبات في رد الحقوق واستعادة الكرامة بجميع أشكالها. لكن، وللأسف الشديد، “السلبية والعدوانية” صارت هي الأقرب إلى الذهن والطبيعة السودانية، وكأنما يتهيأ أن السودانيين في الأصل هم دعاة عنف وأبطال انتهاكات، والضحايا مجبرون على القبول والتعايش والسير وامتطاء هذا الطريق!
لذلك، أغلب دعاة «الحرية والسلام والعدالة» صاروا أقل وانحسروا، والذي بقي صار أقل رغبة في الحديث، بل يتهيأ أنهم تخلوا عن سائر أدوات التعبير مجبرين وفق مقتضيات الظروف العامة المتغلبة السريعة، وسندان الاتهامات ومطرقة المواجهة. وكم هو مؤسف اعتياد سفك الدماء سدى، وكم هو أقسى أمر المرء الذي يُنشَد لعدمية إراقته، وهو في الغالب يوضع في “الخطاب السلطوي والجماهيري المغفل” بين فكي «الخيانة والعمالة». فصار رسل الضياء والنور يسكنون في صمتهم المخيف، ويفرون إلى هدوئهم العجيب.
نعم، قد حدث ولا يزال يحدث ما فاق الخيال والتوقع والممكن: من تهجير للبشر، وانتهاك للحقوق، واغتصاب للنساء والفتيات، وقـ.ـتل للشباب والأحلام، وضمور في المؤسسات. لكن قبول أي “انتهاك آخر” وأوله حق الحياة يقع في قادم الأيام وفي أي بقعة من الأرض، هو انتهاك للحياة وصك لمواصلة المزيد من “الانتهاكات وهدر الدماء”. وهذه هي مأساتنا، بل هذا هو العار المقروء في “جبين الإنسانية” في القرن الحادي والعشرين.
والسؤال سودانياً: كيف نمزق هذا الصك؟
#الهدف_آراء_حرة #السودان #لا_للحـرب #العدالة_الانتقالية #حقوق_الإنسان #الانتهاكات #حرية_سلام_وعدالة #السودان_يستحق_السلام #مجتمع_مدني #الله_غالب

Leave a Reply