*الموت المجاني: “وطنٌ يُصلب على نهرين من الدم”

صحيفة الهدف

✍️ أحمد الليثي

الأصل في حقوق الإنسان هو حق الحياة؛ ومن بعده تأتي سائر الحقوق لتصون هذه الحياة وتمنحها معناها الكريم.

لكن ما جرى لشعب السودان منذ فجر الاستقلال، مرورًا بالدكتاتوريات التي توالت على وأد أحلامه، وحتى هذه اللحظة، لم يكن سوى انتهاكٍ فادحٍ لهذا الحق الأول: أن يعيش… فقط أن يعيش.

منذ عقود، يُق.تل السودانيون في ح.روبٍ عبثية لا طائل منها.

ثم جاء نظام الإنقاذ البغيض، فحوّل الموت إلى استثمارٍ سياسي، وبذر الكراه.ية والفرقة، ووسّع خرائط النار، حتى حصدت الح.روب الملايين في الجنوب، وجبال النوبة، ودارفور، والنيل الأزرق، وفي أنحاء السودان كافة.

أما من نجا من الرصاص، فقد طاردوه بالموت البطيء: بالجوع، والتشريد، والتعذيب، والاغتصاب، والاعتقال، والمرض؛ كأننا أُمّةٌ أُخرجت من التاريخ، وأُلقي بها في زمنٍ سحيق لا يشبه هذا العصر.

ثم اندلعت ح.رب 15 أبريل 2023… وها هي تدخل عامها الرابع، كأنها تتقن البقاء أكثر مما نتقن النجاة.

الخرطوم صارت مدينة أشباح،

والجزيرة مسرحًا للمذابح،

والجنينة مقبرةً جماعية،

والفاشر مدينةً محاصرة،

والملايين مشرّدون في الداخل والخارج.

لا مستشفيات، لادواء، لا جرعة أكسجين تخفف سكرات الموت.

كأنّ السودان قد اختير ليكون مختبرًا مفتوحًا لكل أشكال الفناء.

وحتى الآثار، والموتى، وذاكرة البلاد، لم تسلم من هذا الخراب.

لم يكتفوا بق.تل الأحياء، بل مدّوا أيديهم إلى قبور الأسلاف، ونهبوا المتاحف كأنهم ينهبون أرواحنا نفسها.

أكثر من أربعة آلاف قطعة أثرية هُرّبت؛ لكنها ليست مجرد حجارة منقوشة أو تماثيل صامتة، بل شواهد على حضارات نطقت باسم الوطن منذ آلاف السنين.

حين تُسرق الآثار، لا يُسرق الحجر وحده،

بل يُسرق الزمن، وتُمحى الذاكرة، ويُغتال التاريخ مع الحاضر.

وكأن السودان يُق.تل مرتين: مرةً في جسده النازف، ومرةً في روحه الممتدة عبر القرون.

أشرقت ثورة ديسمبر المجيدة كبارقة أمل، لكنها أُفرغت من بعض أهم أسلحتها: الحسم الثوري والنجاعة القانونية.

فخرج أعداء الحياة من جحورهم، وعادوا أكثر شراسةً ودموية.

واليوم، يتسابق أمراء الح.رب مع الشيطان:

من يق.تل أكثر؟

من يغتصب أكثر؟

من يشرّد أكثر؟

ومن ينهب أكثر؟

أصبحت الحياة عند معظم السودانيين جحيمًا مقيمًا، لا يغادرهم إلا بالموت.

وهنا تحضرني كلمات محمود درويش:

“كل الذين ماتوا نجوا من الحياة بأعجوبة، ربما لأنهم نبلاء لا يستحقون العيش في هذا الجحيم.”

يا شعبنا العظيم،

سلامٌ على موتاك،

وسلامٌ على أحيائك الذين يصارعون البقاء.

سلامٌ عليك أيها الوطن المصلوب على نهرين من الدم.

في السودان… نُدفن أحياء، لكننا ننهض موتى أحرارًا.

والثورة لا تموت، لأن الموتى يسكنون فينا كأصواتٍ لا تنطفئ، ولأن دماءهم صارت بذرةً تنبت منها الحياة من جديد.

* (كُتب هذا النص أول مرة في 5 نوفمبر 2016، وعُدّل في 28 نوفمبر 2021، وأُجدّد نزفه اليوم، 22 أبريل 2026… لأن الجرح لا يزال نازفًا.”).

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.