- القصيدة العظمى عن مأساة فلسطين لم تكتب بعد !!
حاوره: عز الدين المناصرة
مقدمة:
جاء هذا الحوار الذي أجراه الصحافي عز الدين المناصرة مع الشاعر الفيتوري في القاهرة لمجلة (الأفق الجديد)، القدس، فلسطين، في عددها السادس، في 1965.، في سياق مرحلة عربية مشحونة بالتحوّلات القومية الكبرى، حيث كانت القاهرة آنذاك مركزًا فاعلًا للحركة الثقافية والسياسية العربية، وكانت الأسئلة القومية، وقضايا التحرّر الوطني، ومأساة فلسطين، وحركة التحرّر الإفريقي، تشكّل محور النقاشات الفكرية والإبداعية.
في هذا المناخ، يطلّ محمد الفيتوري بوصفه أحد أبرز الأصوات الشعرية التي ربطت بين التجربة الإفريقية والوعي القومي العربي، وبين الحسّ الإنساني العميق وأسئلة الهوية والتحرّر. ولا يقتصر الحوار على سيرته الأدبية، بل يتجاوز ذلك إلى آرائه في القضايا القومية العربية، وموقفه من الاستعمار، ومفهومه للشعر بوصفه فعلًا مرتبطًا بالحريّة والمصير الجماعي، إضافة إلى رؤيته لمأساة فلسطين بوصفها مركزًا للجرح القومي الإنساني.
محمد الفيتوري، الشاعر السوداني من كبار شعرائنا العرب، الذين جدّدوا في الشعر العربي الحديث في أشكاله ومضامينه، والشاعر الوحيد الذي غنّى إفريقيا آلامها، وعبر عن قضية الملونين تعبيرًا شعريًا يصل إلى مصاف الشعر العالمي. له من الشعر ديوان (أغاني إفريقيا)، وصدر له عن دار الآداب في بيروت ديوانه الثاني (عاشق من إفريقيا). ومحمد الفيتوري يتميّز بهاتين الميزتين: الخصوصية الإفريقية “الأفرقة”، والتجديد في الشعر، وإن كانت الثانية مشتركة مع آخرين.
أستاذ محمد، أين ولدت، وفي أي سنة، ومتى نظمت الشعر؟
– ولدت في منطقة غربي السودان في مدينة اسمها الجنينة في عام 1930، ولكن مع هذا فأنا مركّب من أجناس عربية مختلفة، فأبي سوداني، وأم أبي من تشاد، وجدي لأمي من ليبيا. أما من ناحية نظم الشعر، فقد نشرت لي أول قصيدة سنة 1947 في مجلة (الاشتراكية).
هل تتفضل بإعطاء القراء مختصرًا عن حياتك منذ ذلك الوقت؟
– درست في كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، وحصلت على درجة الليسانس سنة 1957، وتوليت رئاسة تحرير جريدة اسمها (النيل) في السودان، وقد كانت هذه الجريدة معادية للجمهورية العربية المتحدة، لهذا تحمّلت أوزار الجريدة، لأنها كانت مطبوعة بالطابع الحزبي. ثم ترأست تحرير مجلة (الإذاعة والتلفزيون)، وجريدة حرّة اسمها (التلغراف)، وقد اضطهدت وحُرم عليّ الخروج من السودان، ولكنني هربت قبل ثورة 21 أكتوبر بدون تأشيرة. وأعمل الآن منذ شهور في (إذاعة ركن السودان) في القاهرة، بعد أن شُكلت الحكومة الجديدة.
ولكن كيف هربت إلى الجمهورية العربية المتحدة، وقد كنت رئيسًا لتحرير جريدة (النيل) المعادية لها؟
– في الواقع لقد حسّنت علاقاتي بالمسؤولين في الجمهورية، وهم في نفس الوقت عاملوني معاملة طيبة، وعفوا عما مضى. وشعرت أن (المتحدة) ملاذي، فعملت في جرائد (الأخبار) و(الجمهورية).
هل قلت شيئًا في ثورة 21 أكتوبر؟
– قلت قصيدة يحفظها السودانيون الآن، فهي قصيدة الثورة: “أصبح الصبح فلا السجنُ، ولا السجان باقي.. وإذا الفجر جناحان يرفّان عليك.. وإذا الحزن الذي كحّل هاتيك المآقي.. والذي شدّ وثاقًا لوثاق.. والذي بعثرنا في كل واد.. فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي”..
قرأت مقدمة محمود أمين العالم لديوانك الأول (أغاني إفريقيا)، فلم لم يقدّم أحد لديوانك الجديد؟
– أنا لا أحب التقديم، ولكن لتقديم الديوان الأول قصة، وهي أن محمود أمين العالم هاجمني بشدة في المجلات، ولكنه أصرّ على تقديم الديوان، فقدمته له، مع العلم أن المقدمة فيها نقد لاذع.
ما هو إنتاجك الأدبي حتى الآن؟
– لقد كتبت مسرحية شعرية اسمها (الأميرة ذات الهمّة)، وديوان شعر اسمه (في طريق الأبدية)، وديوانًا ثانيًا اسمه (ديوان ابن الفيتوري)، ولكنها كانت مطبوعة بالطابع الكلاسيكي، فلم أطبعها، لأنني غير راضٍ عنها، وأنوي حرقها خوفًا من نشرها. وإنني لأعجب للذين ينشرون بعض قصائد شوقي تحت عنوان (شوقية لم تنشر).. وهذا ما حدث مع المرحوم أبي القاسم الشابي.
هل يمكن للأديب أن يعيش من أدبه؟
– بطبيعة الحال “لا”، فلو استطاع الأديب أن يعيش بأدبه لما كانت الانحرافات. وخير دليل على ذلك المرحوم الشاعر بدر شاكر السياب، الذي وقع في “التناقضات” بسبب عسر العيش.
نراك تركّز على قضية الملونين في إفريقيا “الزنوجة” مثل سنغور، وأنت تقول: “قلها لا تجبن لا تجبن.. قلها في وجه البشرية.. أنا زنجي.. وأبي زنجي الجلد.. وأمي زنجية..”، فأنت تعترف في قصائدك بأنك زنجي، وأن لونك أسود، مع أن وجهك فيه سمرة عربية واضحة، والزنوج أنفسهم يحبون التهرّب من الكلام عن هذا اللون، كما لدى بعض الشعراء الأفارقة؟
– لقد عبرت عن آلامي الخاصة، جعلتها عامة على كل الزنوج، وأنا أؤمن بالعقدة الموروثة “اللون”، وسأبقى أعبّر عن نكبة الزنوج، ونكبة إفريقيا عامة. وأنا أحاول دائمًا كسر عمق الشعور بالعقدة.
لكل قصيدة تجربة، فما تجربة قصيدة (تحت الأمطار)، التي تقول فيها: “أيها السائق رفقًا بالخيول المتعبة.. قف فقد أدمى حديد السرج لحم الرقبة”؟
– العربة هنا هي الحياة، والخيول هي الإنسان، والسائق هو القدر والظروف المختلفة، وأنا في الحقيقة أكتب وأرسم الصورة، وهي الصورة العادية، ولكن هذه الصورة العادية تدل على أبعاد عميقة مكتنزة في الباطن.
متى بدأت التجديد في الشعر، وما هي مبررات وأسباب ذلك؟
– بدأت بالتجديد سنة 1949. وأنا لا أعتبر الشعر القديم قيدًا كما يراه الذين يدّعون التجديد، ولكني أعتبره تراثًا لا يمكن أن أنكره. ولكنني بتجديدي أضيف جزءًا آخر من التراث، ولهذا أسباب منها: كان التجديد في البداية مجرد “موضة”، ولكنه كان أيضًا تلبية لاحتياجات معاصرة، الشكل الجديد يساعد على عملية الإثراء، القوالب القديمة استُهلكت، الرتابة الموسيقية التقليدية لم تعد تناسب الحركة السريعة، دخول قضايا جديدة في حياة الإنسان العربي، الشعر المعاصر يركز على التفاصيل والجزئيات والنبضات.
تكرار استعمال الكلمات التالية في قصائدك: الناقوس، التابوت، النبي، المقبرة، الخيول، السيوف، المومياء.. إلخ. فما هو السبب، وهل لها مدلولات عندك؟
– الكلمات رموز داخلية في الباطن، لعلها تكوّنت من مشاهدات في صغري أو عن طريق الوراثة، وأنا أؤمن بالوراثة إيمانًا عميقًا.
ما رأيك في شعر فلسطين، هل هنالك شعر يصل إلى المستوى الذي نتوخاه؟
– هناك أسماء لامعة في “شعر النكبة” أذكر منهم: معين بسيسو، هارون هاشم رشيد، فدوى طوقان، أبو سلمى، و”شعر ما بعد النكبة” مثل: عز الدين المناصرة. وقد تكون هناك أسماء لا أعرفها لأنني عزلت في السودان ستّة أعوام. ولكن أستطيع أن أقول: “القصيدة العظمى عن المأساة لم تكتب بعد”.
ما رأيك في أدب وشعر كل من الأدباء التالية أسماؤهم؟
صلاح عبدالصبور: تأثّر بإليوت، لكنه أخرج قصائد عظيمة، وهو ذكي.
أحمد عبدالمعطي حجازي: قوي العبارة، لكنه أقل ثقافة من صلاح.
البياتي: مثقف ومطلع، تجاربه ناضجة.
عزيز أباظة: استمرار لشوقي.
محمود حسن إسماعيل: شاعر أصيل أحترمه.
بدر شاكر السياب: له أعمال جيدة، أهمها (أنشودة المطر).
ما رأيك في الشعر النسوي؟
– فدوى طوقان أعمق في التجربة الإنسانية، ونازك الملائكة أقدر على الفهم، وفدوى أكثر قدرة على تحويل الذات إلى عام.
ما رأيك في الحركة الأدبية الحديثة في السودان؟
– في السودان شعراء مثل: محمد المهدي المجذوب، محيي الدين فارس، جيلي عبد الرحمن، تاج السر الحسن، محمد عبد الحي، يوسف عايدابي. لكن هناك معوّقات: ضعف النشر وقلّة الاتصال بالعالم العربي.
ما رأيك في الحملات ضد لويس عوض؟
– لويس عوض مثقف حسن النية، وقد يخطئ لكنه لا يقصد الإساءة.
ما رأيك في الأسطورة في الشعر؟
– لا تعجبني الأسطورة إذا استُخدمت للتظاهر بالثقافة، لكنها حسنة إذا جاءت بصدق.
من يعجبك من شعراء العرب؟
يعجبني من لبنان سعيد عقل، ومن سوريا نزار قباني وأدونيس، ومن مصر صلاح عبد الصبور وحجازي وغيرهم.

Leave a Reply