محمد مفتاح الفيتوري.. شاعر الثورة وعاشق بغداد

صحيفة الهدف

حسن عباس

“أجمل من رائحة النضال لم أشم رائحة
في صبحك الجليل
يا فخر هذا الجيل”
الفتى الأبنوسي، ما بين ميلاده في أقصى غرب الوطن الصغير وموته في أقصى غرب الوطن الكبير الذي عشقه حتى الثمالة، جسّد في حياته الحافلة أبرز معاني التوهّج الشعري، والتمرّد على الواقع المكبّل بقيود المستعمر، فنادى بكسر قيود العبودية، وأصبح صوت الشعر العربي في قارته السمراء، وأضحى أيقونة التحرّر الإفريقي.
“لي حريتي
وهي أغلى ثروة من ولدي
أنا فلاح ولي أرضي التي
شربت تربتها من جسدي
أنا حر مستقل البلد
وسأبقى مستقل البلد”
“أصبح الصبح كأن الزمن الماضي على الماء نقوش
وارفع راية أكتوبر فالثورة ما زالت تعيش
أجمل من رائحة النضال
لم أشم رائحة
في صبحك الجليل
يا فخر هذا الجيل”
كما أنه في ذات الوقت، قاد مع مجايليه من الشعراء العرب مثل البياتي ونازك الملائكة والسياب وأمل دنقل النهضة الأدبية في الشعر الحر خروجًا على أنماط الشعر العربي، بل فاقهم في استكناه معنى ودلالات ورموز الشعر الصوفي، وخاض بحوره وأحكم فيه حتى كاد أن يطبع معظم شعره.
“دنيا لا يملكها من يملكها
أغنى أهليها سادتها الفقراء
الخاسر من لا يأخذ ما تعطيه على استحياء
والغافل من ظنّ الأشياء هي الأشياء”
واكتسب من تشربه بالصوفية سمو الروح، والتواضع المقتدر، وفناء الذات في الملكوت.
“شحبت روحي صارت شفقًا
شعّت غيمًا وسنا
كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه
أتمرّغ في شجني
أتوهّج في بدني
في حضرة من أهوى
عبثت بي الأشواق
حدّقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفنى عشقي
وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق”
كما يتجلى ذلك في استطراداته لأسئلة الزمان والمكان:
“هل الظلال على امتدادات الطريق هي الظلال؟
وهل الخيال الأصفر الشفقي خاتمة الخيال؟
وهل الذي تبكيه في زمن البكاء هو البكاء؟
وهل الغناء إذا تساقطت الدموع هو الغناء؟
وهل التناهي في الظهور هو التناهي في الخفاء؟
وهل الذين تسلّقوا سور السماء هم السماء؟
وهل التراب هو انحباس الروح في فلك الزمان؟
وهل الحنين لحيثما اشتعل الحنين هو المكان؟
وهل الحقيقة في حقول الموت أو موت الحقول؟
وهل انقطاع الوصل في لغة الكمال هو الوصول؟”
إن دراسته في دار العلوم في الأزهر، وحفظه القرآن الكريم باكرًا وهو في الابتدائية، يُضاف إلى معايشته ثورة يوليو وتنقله في معظم عواصم العروبة، الذي صوّره كعصفور متنقل من غصن لفنن، صقل وعيه المبكّر بالثورة العربية، والدور الريادي المناط بأمته العربية، ليصبح من أهم المفصحين عن ثورتها.
فغنّى للطفل الفلسطيني ذو الكوفية الحمراء، عاريًا إلا من حجر في يده، رمزًا لانتفاضته الباسلة طريقًا وحيدًا لثورته لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.
“لست طفلًا
هكذا تولد في العصر اليهودي
وتستغرق في الحلم أمامه
عاريًا إلا من القدس
ومن زيتونة الأقصى
وناقوس القيامة
شفقيًا وشفيفًا كغمامة
واحتفاليًا كأكفان شهيد
وفدائيًا من الجرح البعيد”
وكما غنّى لفلسطين وللجزائر ولانتفاضات الجماهير العربية، وحرّضهم على الحريّة والإمساك بزمام أمرها، غنّى لبغداد أجمل إيقاعات شعره، ووهبها ذؤابة روحه، وتوّج بالتغني بها ولها معظم قصائد دواوينه الأخيرة، حتى سمّى أحدها باسمه (يأتي العاشقون إليك).
“لم يتركوا لك ما تقول
والشعر صوتك
حين يغدو الصمت مائدة
وتنسكب المجاعة في العقول
لم يعرفوك وأنت توغل عاريًا في الكون
إلا من بنفسجة الذبول
لم يبصروا عينيك
كيف تقلبان أزمنة الخمول
لم يسكنوا شفتيك
ساعة تطبقان على ارتجافات الذهول
لم يشهدوك
وأنت تولد مثل عشب الأرض
في وجع الفصول
لم يتركوا لك ما تقول
لم أك مصغيًا يومًا لغير دمي القديم
أقول أنا الذي لولا شموخك أنت يا بغداد
لولا وجهك العربي
لولا سيفك العربي
يغسل بالضياء عيونهم
لم يتركوا لي ما أقول
لولا اقتحامات الذين مشوا جبابرة
على قمم الجبال
لولا شهادة من تضرج بالشهادة
أو تكفن بالرمال
لولا صواريخ الحسين
برقن
ثم صعقن من صادفن
ثم تشابكت في الأرض أغصان الزوال
لولا البطولة في مراياها الوضيئة
لا ادعاء ولا ضجيج
لولا الشفاه المطبقات على الأنين
اليابسات على النشيج
لولا نخيل البصرة الصوفي
عانق أرضه
ومضى يقاتل في الخليج
لولا انتصارات الذين سقوا تراب الفاو
لولا راية باسم العراق
ومجده العرب
خالدة النشيج
لم يتركوا لك ما تقول.”

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.