كلمة العدد: الفيتوري.. الشعر موقف والقصيدة وطن

صحيفة الهدف

في هذا العدد من (الملف الثقافي)، لا نعود إلى الشاعر المخضرم محمد مفتاح الفيتوري من باب الاستذكار العابر، ولا بوصفه اسمًا مستقرًا في ذاكرة الشعر والثقافة والأدب، بل باعتباره تجربة حيّة ما تزال قادرة على مساءلتنا وإعادة تعريف علاقتنا بالشعر، بالهوية، وبفكرة الانتماء نفسها. إن تخصيص هذا العدد لذكراه هو، في جوهره، فعل اعتراف بقيمة شاعرٍ لم يكتب القصيدة بوصفها جمالًا لغويًا فقط، بل بوصفها موقفًا وجوديًا، وامتدادًا لصوت الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشةً وتمرّدًا..

منذ ستينيات القرن الماضي، حين كانت الخريطة الثقافية العربية تعيد تشكّلها تحت وطأة التحوّلات السياسية والفكرية الكبرى، برز الفيتوري صوتًا مختلفًا، قادمًا من تخوم الجغرافيا الإفريقية العربية، لكنه سرعان ما تمركز في قلبها. لم يكن حضوره حدثًا عاديًا، بل كان أشبه بفتحٍ شعري أعاد تعريف موقع السودان وإفريقيا الناطقة بالعربية داخل المشهد الثقافي العربي، وجعل منه جزءًا فاعلًا في إنتاج الأسئلة الكبرى التي كانت تشغل الوعي العربي آنذاك. بفضله، لم يعد السودان هامشًا بعيدًا، بل صار صوتًا واضحًا في نسيج الثقافة العربية، حاضرًا في قصائد تتردد في الوجدان، وتستبطن قضايا تتجاوز الحدود الضيقة نحو أفق إنساني أوسع.

الفيتوري المولود في العام 1936، عاش تجربة تنقّل بين السودان ومصر وليبيا، وهي سيرة لم تكن جغرافية فقط، بل كانت أيضًا رحلة في تشكيل الوعي وتوسيع أفق الرؤية. في هذه المسارات المتقاطعة، تشكّل صوته الشعري، متحرّرًا من القوالب الجاهزة، ومشدودًا إلى سؤال الهوية بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يقبل الإجابات السهلة. كتب عن إفريقيا لا كموضوع خارجي، بل كجرح شخصي وتاريخي، واستعاد عبر قصيدته ذاكرة القهر والاستلاب، محوّلًا الشعر إلى مساحة مقاومة، وإلى فعل استعادة للكرامة الإنسانية..

لم يكن الفيتوري شاعر قضية بالمعنى الضيّق، بل كان شاعر القضايا الكبرى في أفقها الإنساني الرحب.. انشغل بالحرية، بالعدالة، بالإنسان المقهور، ونجح في أن يمنح هذه المفاهيم صوتًا شعريًا نابضًا، لا يقع في المباشرة ولا يفقد كثافته الجمالية. في قصيدته، تتجاور الغنائية مع الاحتجاج، ويتداخل الذاتي مع الجمعي، لتنتج نصًا قادرًا على مخاطبة الوجدان والعقل معًا. هذه القدرة على المزاوجة بين الحسّ الجمالي والوعي النقدي هي ما جعل تجربته واحدة من أبرز التجارب التي أسهمت في تطوير القصيدة العربية الحديثة..

كما أن إسهامه لم يقتصر على مستوى الموضوعات، بل امتد إلى بنية القصيدة نفسها، حيث استطاع أن يفتح أفقًا جديدًا للتعبير، يمزج فيه بين الإيقاع الموروث وروح الحداثة، دون أن يقع في القطيعة أو الاستنساخ. كان يكتب من داخل التراث، لكنه لا يستسلم له، ويستشرف المستقبل دون أن ينفصل عن جذوره. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى تجربته بوصفها جسرًا بين أزمنة متعدّدة، وبين حساسيات شعرية متباينة، نجح في توحيدها ضمن صوتٍ خاص لا يلتبس بغيره.

إن حضور السودان في المشهد الثقافي العربي، خلال العقود التي بزغ فيها نجم الفيتوري، لا يمكن فصله عن هذا الصوت الذي حمل بلاده إلى فضاء أوسع، وعرّف بها من خلال الشعر، لا بوصفها جغرافيا فقط، بل بوصفها تجربة إنسانية وثقافية غنية. لقد كان الفيتوري، على نحوٍ ما، سفيرًا شعريًا لوطنه، استطاع أن يرسّخ اسمه في الوعي العربي، وأن يمنحه موقعًا مستحقًا داخل خارطة الإبداع.

وفي الوقت ذاته، ظلّ وفيًا لقضايا وطنه وأمّته، حاضرًا في لحظات التحوّل، ومشاركًا في صياغة الوعي الجمعي عبر قصائد لم تفقد راهنيتها. كتب عن الحرّية كما لو أنها قدر شخصي، وعن الكرامة كما لو أنها المعنى الأعمق للوجود، فاستحقت قصائده أن تبقى، وأن تُقرأ في كل زمن بوصفها شهادة على مرحلة، وعلى روحٍ لم تهادن ولم تنكسر.

إن هذا الاحتفاء بالفيتوري يتجاوز كل الأطر الضيقة، فلا يُختزل في كونه شاعرًا سودانيًا أو عربيًا فحسب، بل يُستعاد بوصفه رمزًا ثقافيًا وإنسانيًا، ترك أثرًا عميقًا في الوجدان، وأسهم في تشكيل جزء من الوعي الحديث. غير أن استعادته اليوم لا تنفصل عن حاجة ملحّة إلى أصواتٍ قوية تشبهه، قادرة على قول الحقيقة دون مواربة، وعلى إعادة طرح الأسلة الكبرى التي لم تفقد راهنيتها، لأن الوطن والأمة ما زالا يعيشان كثيرًا من القضايا ذاتها التي انشغل بها الفيتوري، من حريةٍ مؤجّلة، وعدالةٍ منقوصة، وكرامةٍ تبحث عمّن ينطق باسمها، فيما لا تزال الجراح مفتوحة، تستدعي من يعبّر عنها بصدقٍ وشجاعة.

بهذا المعنى، تأتي العودة إلى الفيتوري ليس فقط وفاءً لتجربته، بل استجابةً لضرورة ثقافية وإنسانية، تذكّرنا بأن الشعر يمكن أن يكون أكثر من كتابة، يمكن أن يكون موقفًا، ورؤية، ونداءً مفتوحًا في وجه الصمت. ومن هنا، فإن هذا الملف لا يكتفي بالاحتفاء، بل يدعو إلى إعادة الإصغاء إلى ذلك الصوت، واستلهام ما فيه من قوة وصدق، في زمنٍ لا يزال في حاجة إلى شعرٍ يواجه، لا يهادن، ويضيء، لا يكتفي بالوصف.

#محمد_مفتاح_الفيتوري #الهدف_الثقافي #أدب_التحرر #السودان #أفريقيا #نقد_أدبي #حرية_سلام_عدالة #أمة_عربية_واحدة #الثقافة_العربية #البعث_باقي #الوفاء_للشهداء #السيادة_الوطنية #شعر_المقاومة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.