كلمة العدد: الرياضة كفضاء مقاومة.. كيف ارتبطت بالانتفاضات السودانية؟

صحيفة الهدف

ليس غريبًا أن تكون الرياضة شريكًا للانتفاضات في السودان. فمنذ وعى السودانيون معنى الكرامة، والملعب كان إلى جانب الشارع، والصافرة كانت إلى جانب الهتاف، والجسد الرياضي كان إلى جانب الروح الثائرة. لم تكن الرياضة في السودان يوماً مجرد أرقام ونتائج، ولا كانت مجرد بطولات وكؤوس. كانت، في جوهرها، مرآة تعكس وعي الشعب، ومقياسًا لحرارة الشارع، ومنبرًا لا تستطيع السلطة إسكاته، لأنه منبر لا يحتاج إلى كلمات.

هناك علاقة وثيقة بين الرياضة والثورة، ليست وليدة لحظة عابرة، بل هي علاقة بنيوية، تتصل بفكرة (الجسد)، نفسه. فالرياضي، بحكم تدريبه وانضباطه وقوته، هو نموذج للإرادة القادرة على التحدي. وعندما يتحرك هذا الجسد في اتجاه الثورة، يضفي عليها بعداً رمزياً ومعنوياً يعزز حضورها في الوعي الجمعي. في السودان، كان الرياضيون وجماهيرهم جزءاً من كل محطات التغيير الكبرى. ليس لأنهم يمتلكون منبراً خاصاً، بل لأن وعيهم الوطني كان جزءاً من وعيهم الرياضي. فالذي يعرف معنى (الفريق) و(الانضباط) و(التضحية من أجل هدف أكبر)، لا يمكن أن يكون بعيداً عن هموم وطنه. وقد تجلّى ذلك في أدوار محددة، مثل مشاركة روابط المشجعين في الحراك الجماهيري، ورفع الشعارات السياسية داخل الملاعب، وانخراط بعض اللاعبين في النشاط النقابي أو الاحتجاجي، وهو ما يمكن رصده بوضوح في فترات التحول السياسي الكبرى.

ومع تصاعد الحركة الوطنية في فترة مؤتمر الخريجين، لم تكن الرياضة بمعزل عن هذا الوعي العام، حيث انعكس المدّ الوطني على الأندية والأنشطة الرياضية، التي أصبحت فضاءات موازية لتداول الأفكار الوطنية. وعندما اندلعت ثورة أكتوبر المجيدة في 1964، كانت الملاعب متنفساً للحركة الطلابية والعمالية، ومنصة لنقل أصواتهم إلى الشارع. وعندما قامت ثورة أبريل 1985، كانت الجماهير الرياضية في قلب الحدث، تخرج من المدرجات إلى الساحات.

وجاءت ثورة ديسمبر 2018 لتؤكد هذه القاعدة التاريخية. ففي كل مرحلة من مراحل الثورة، كان للرياضيين دور بارز، في التعبئة، في رفع الروح المعنوية، في نقل الرسائل، في التضامن مع النخب المهنية، وحتى في استشهاد بعضهم. وقد ظهر هذا الدور بوضوح في الحراك المرتبط بالأندية الكبرى، حيث تحولت جماهير كرة القدم إلى فاعل اجتماعي وسياسي، يرفع الشعارات، وينظم الحضور، ويشارك في التعبئة، مما جعل المدرجات امتدادًا حقيقيًا للشارع.

لم يكن ذلك صدفة. لقد كان امتدادًا لوعي رياضي – وطني ترسخ عبر عقود، وتناقلته الأجيال، وأثبت أن الرياضة ليست عزلة عن المجتمع، بل هي جزء من نبضه.

ففي الأنظمة السياسية المغلقة، حيث تُقبض على الكلمة وتُحاصر الفكرة، تظل الملاعب واحدة من المساحات القليلة التي يمكن أن يتجمع فيها الناس دون حسابات معقدة. وهناك، في تلك المساحات، يتحول التشجيع إلى هتاف سياسي، وتتحول المباراة إلى مناسبة للتعبير عن الرأي، ويتحول الرياضي إلى سفير لقضية وطنه.

هذا هو سحر الرياضة، أنها تستطيع أن تقول ما لا يستطيع أحد أن يقوله، وأن تصل إلى حيث لا تصل المنابر الأخرى، وأن تجمع من تفرقهم السياسة. في السودان، تعلمت الأنظمة المتعاقبة، أن الملاعب قد تكون أخطر عليها من أي معارضة سياسية. لأن الجماهير هناك لا تحتاج إلى إذن لتصرخ، ولا إلى بيان لتعلن موقفها. تكفي صافرة بداية المباراة لتنطلق معها ألف رسالة.

ليس صحيحًا أن الرياضة تصنع الوعي من فراغ، لكن الصحيح أنها تعبر عنه وتكرسه وتنشره. فالجماهير الرياضية الواعية هي جماهير تعرف متى تشجع، ومتى تحتج، ومتى تصمت. والرياضيون الواعون هم من يدركون أن جماهيرهم ليست مجرد مستهلكين للترفيه، بل هي شركاء في المسؤولية. وهكذا، فإن تطوير الرياضة في السودان لا يمكن فصله عن تطوير الوعي الوطني والقومي والإنساني . فالملعب الجيد يحتاج إلى جمهور واعٍ، والجمهور الواعي يحتاج إلى رياضة تحترمه وتستمع إليه. إنها حلقة متكاملة، يغذي بعضها بعضًا.

إذا كانت الرياضة قد أدت كل هذا الدور في لحظات التغيير الكبرى، فلماذا لا تكون أداة فاعلة في بناء المستقبل؟

ويتطلب ذلك الانتقال من الدور العفوي إلى الدور المؤسسي، عبر سياسات رياضية وطنية تربط بين الاستثمار في الشباب، وبناء الهوية، وتعزيز المشاركة المجتمعية. ولماذا لا تُوضع استراتيجيات وطنية لتطوير الرياضة، تستثمر في البنية التحتية، وترعى المواهب، وتكسر العزلة، وتجعل من السودان قطبًا رياضيًا في القارة والعالم؟ لأن الرياضة السودانية أثبتت أنها قادرة على أن تكون صوتًا ومنبرًا وسلاحًا. واليوم، تحتاج إلى أن تكون مشروعًا ورؤية وطنية وقومية وإنسانية.

فالرياضة، في النهاية، ليست ترفًا ولا ثانويًة. هي جوهر من جواهر الحياة، وأداة من أدوات النهضة، وساحة من ساحات الوعي والتغيير. ومن هنا، يأتي هذا الملف الرياضي ليس فقط للاحتفاء بدور الرياضة في لحظات التغيير، بل لفتح نقاش أوسع حول مستقبلها، ودورها في إعادة بناء المجتمع، وصياغة وعي جديد يليق بتضحيات الشعب السوداني.

معاُ لبناء جبهة رياضية شعبية عريضة للديمقراطية والتغيير

#ملف_الهدف_الرياضي #الرياضة_والمقاومة #الثورة_السودانية #الوعي_الرياضي #ذاكرة_ديسمبر #السودان #الديمقراطية_والتغيير #البعث_الرياضي #ترياق_الردة #فلس.طين_في_القلب #ح.رب_السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.