البعث وحرب الخليج الثانية.. تأكيد المؤكَّد في صراع الحضارات والأيديولوجيا

صحيفة الهدف

 هشام الفاضلابي

#الهدف_اختيارات

مقدمة
لم تكن حرب الخليج الثانية (2003) حدثاً طارئاً في مسار السياسة الدولية، بل جاءت كنتيجة حتمية لمسار صراع الحضارات والأيديولوجيا الذي بدأ مع حرب الخليج الأولى (1991). وما بين الحربين، لم يكن العراق يُستهدف كدولة فحسب، بل كأيديولوجيا وحضارة ومحور ممانعة في توازنات إقليمية كانت تقف عائقاً أمام مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الإمبريالية الأمريكية.

من الاحتواء إلى الإطاحة
اتبعت الولايات المتحدة، بعد حرب الخليج الأولى، سياسة “الاحتواء المزدوج”، التي استهدفت إضعاف العراق وإيران معاً. غير أن التطبيق العملي لهذه السياسة كشف أن العراق كان الهدف الأكثر إلحاحاً باعتباره العدو الحقيقي؛ حيث فُرضت عليه عقوبات شاملة، وتم تفكيك قدراته العسكرية والاقتصادية بشكل ممنهج.

هذا الإضعاف لم يكن غاية في ذاته، بل كان تمهيداً للإطاحة بالنظام السياسي الذي يمثل أيديولوجيا وحضارة، وهو ما تحقق في عام 2003 تحت ذرائع امتلاك أسلحة دمار شامل ثبت لاحقاً عدم صحتها. وهنا يتأكد أن الحرب لم تكن رد فعل، بل تنفيذاً لقرار استراتيجي مُسبق.

إسقاط مفهوم “حارس البوابة”
لطالما قُدّم العراق كـ “حارس للبوابة الشرقية” في مواجهة التمدد الإقليمي الإيراني، غير أن إسقاطه كان ضربة البداية لفتح المجال أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وصعود قوى جديدة على حساب الدولة الوطنية المركزية.

وبذلك، لم يكن سقوط العراق مجرد تغيير نظام، بل انهياراً لدور إقليمي أيديولوجي ممانع شكل مقدمة منظومة الردع العربية، فمهما اختلف التقييم السياسي لذلك الدور، يظل غيابه زلزالاً استراتيجياً.

الانقسام العربي وفشل الإدراك الاستراتيجي
أحد أبرز عوامل نجاح مشروع إسقاط العراق والأيديولوجيا الممانعة كان غياب الرؤية العربية الموحدة؛ حيث تباينت المواقف بين التأييد الضمني والمعارضة الشكلية، في ظل غياب إدراك حقيقي لطبيعة الصراع ومراحله في المنطقة. إن كثيراً من الدول العربية لم تدرك أن ما جرى في العراق لم يكن حدثاً معزولاً، بل بداية لمسار أوسع يستهدف إعادة ترتيب المنطقة أيديولوجياً وسياسياً وأمنياً.

وهم الحماية الخارجية
أثبتت حرب الخليج الثانية أن الاعتماد على القوى الكبرى في توفير الأمن هو رهان محفوف بالمخاطر ومفهوم خاطئ؛ فالسياسة الدولية لا تُبنى على التحالفات الدائمة، بل على المصالح المتغيرة.

وقد كشفت التجربة أن الدول التي راهنت على الحماية الخارجية لم تكن بمنأى عن الضغوط أو التهديدات، بل أصبحت جزءاً من معادلات النفوذ الدولي، تُستخدم فيها أوراق القوة والضغط وفقاً لمصالح القوى الكبرى.

الأيديولوجيا بين التوظيف والتخويف
طُرحت الأيديولوجيا في الخطاب السياسي العربي كعامل تهديد أو انقسام، غير أن التجربة أثبتت أن غياب المشروع الجامع لا يقل خطورة؛ فالدول التي تفتقد إلى رؤية استراتيجية وهوية سياسية واضحة تصبح أكثر عرضة للاختراق والتفكيك. وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في وجود الأيديولوجيا، بل في كيفية توظيفها ضمن مشروع وطني جامع يوازن بين المبادئ والمصالح.

النتائج الاستراتيجية
أفرزت حرب الخليج الثانية مجموعة من التحولات العميقة، من أبرزها:

  • إضعاف الدولة الوطنية المركزية في المنطقة.
  • تصاعد النفوذ الإقليمي غير العربي.
  • تكريس الوجود العسكري الأمريكي.
  • فتح المجال أمام صراعات داخلية ممتدة وابتزاز مستمر.
    وهي نتائج لم تقتصر على العراق، بل امتدت آثارها إلى مجمل الإقليم.

خاتمة: الدرس الذي لم يُستوعب
إن حرب الخليج الثانية لم تكن سوى “تأكيد للمؤكَّد” بأن المنطقة كانت تتجه نحو إعادة تشكيل شاملة. غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فيما حدث، بل في كيفية قراءة ما حدث.

فالدرس الأهم يتمثل في أن:

  • الأمن القومي لا يُستورد ولا يُجزأ.
  • وحدة مشروع النهضة العربية القومي ليست شعاراً بل ضرورة استراتيجية.
  • القوة الحقيقية تنبع من الداخل لا من الخارج.

وبدون استيعاب هذه الحقائق، ستظل المنطقة عرضة لإعادة إنتاج الأزمات ذاتها، بأدوات مختلفة وعناوين جديدة.

#حزب_البعث #العراق #حرب_الخليج #التاريخ_السياسي #الأمن_القومي_العربي #صراع_الحضارات #الأيديولوجيا #القومية_العربية #السياسة_الدولية #مقال #هشام_الفاضلابي #ملف_الهدف_الثقافي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.