برلين والسودان يتقدّم العالم خطوة ويتراجع الداخل خطوات

صحيفة الهدف

أمجد السيد

لم يكن البيان الختامي للمؤتمر الدولي الثالث بشأن السـ.ـودان في برلين مجرد وثيقة دبلوماسية عابرة، بل كان أقرب إلى شهادة إدانة دولية مكتملة الأركان لحـ.ـرب عبثية، ومرآة صادمة لعجز الداخل السـ.ـوداني عن إنتاج حل وطني يوقف النزيف. إنه بيان يضع الجميع؛ سلطةً وقوى سياسية ومليـ.ـشيات وداعمين إقليميين، أمام حقيقة لا يمكن الهروب منها: السـ.ـودان ينهار، والعالم بدأ يتعامل مع هذا الانهيار باعتباره أخطر أزمة إنسانية في عصرنا.

حين يجتمع ممثلو 55 دولة، إلى جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وعشرات المنظمات، فهذا لا يعني فقط اهتماماً دولياً، بل يعني بوضوح أن الملف السـ.ـوداني خرج عملياً من يد الفاعلين المحليين. البيان يعكس حقيقة مؤلمة: القوى السـ.ـودانية بشقيها العسكري والسياسي فشلت في وقف الحـ.ـرب، بل فشلت حتى في إدارة خلافاتها دون الانزلاق إلى تدمير الدولة. وهنا لا بد من قولها بوضوح: تدويل الأزمة ليس مؤامرة، بل نتيجة مباشرة للفراغ الوطني.

الأرقام تتحدث: 

اللافت في البيان هو التركيز الكثيف على البعد الإنساني:

  • 33.7 مليون محتاج للمساعدة.

  • 13 مليون نازح ولاجئ.

  • مجاعة مؤكدة تهدد الملايين.

  • ملايين مهددون بالعنف. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي إعلان رسمي عن انهيار شامل لمقومات الدولة.

حل جذري أم إدارة كارثة؟

البيان رغم قوته، يركّز على: (إيصال المساعدات، حماية المدنيين، وتمويل الإغاثة)، لكنه لا يقدّم آليات حاسمة لفرض وقف الحـ.ـرب. وهنا تكمن المفارقة؛ حيث يتم التعامل مع نتائج الحـ.ـرب أكثر من أسبابها.

استخدم البيان لغة غير مسبوقة في توصيف الجـ.ـرائم:

  • جـ.ـرائم حـ.ـرب.

  • جـ.ـرائم ضد الإنسانية.

  • عنف إثني وجنسي. لكنه في المقابل، لم يطرح أدوات حقيقية للمحاسبة؛ فلا عقوبات محددة، ولا آليات تنفيذ، ولا جداول زمنية. وهذا يعكس إحدى أهم أزمات النظام الدولي: الإدانة متوفرة، لكن الإرادة السياسية غائبة.

الاعتراف الضمني بحـرب الوكالة

من أهم ما ورد في البيان هو الدعوة الصريحة إلى وقف الدعم الخارجي لأطراف الحـ.ـرب. هذه ليست عبارة دبلوماسية عادية، بل اعتراف بأن الصراع في السـ.ـودان لم يعد داخلياً خالصاً، بل أصبح ساحة صراع إقليمي بالوكالة. استمرار الحـ.ـرب لا يعتمد فقط على أطرافها الداخلية، بل على من يمدّها بالسلاح والمال والغطاء السياسي.

الحوار المدني وتحدي الواقــع

أعطى البيان مساحة مهمة لما سُمّي بـ “الحوار السـ.ـوداني السـ.ـوداني”، وأبرز دور المدنيين وغرف الطوارئ، وهو تطور يعيد الاعتبار –نظرياً– للقوى المدنية. لكن التحدي الحقيقي يظل: هل يمكن إطلاق عملية سياسية مدنية في ظل استمرار القـ.ـتال؟ الإجابة الواقعية هي “لا”؛ لأن أي عملية دون وقف إطلاق نار دائم ستظل مجرد تمرين نظري.

إعلان 1.5 مليار يورو كدعم إنساني خطوة مهمة، لكنها في الحقيقة تخفف الألم ولا توقف الحـ.ـرب، فالمال يعالج الأعراض لا المرض. وهذا يفسر لماذا تنظر بعض أطراف السلطة في السـ.ـودان بعين الريبة لهذا النوع من المؤتمرات؛ لأنها تسحب الشرعية الأخلاقية منها، وتفتح الباب للمحاسبة الدولية، وتفضح دور الدعم الخارجي.

بين الإرادة الغائبة والمفقودة

قدّم مؤتمر برلين تشخيصاً دقيقاً، لكنه لم يقدّم العلاج الحاسم. العالم يقول “أوقفوا الحـ.ـرب” لكنه لا يجبر أحداً على ذلك، وفي المقابل، الداخل السـ.ـوداني عاجز عن فرض السلام ومنقسم حول أبسط القضايا.

السـ.ـودان اليوم ليس فقط ضحية حـ.ـرب، بل ضحية غياب الإرادة محلياً ودولياً لإنهاء هذه المأساة. إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس استمرار الحـ.ـرب فقط، بل أن تتحول إلى “وضع طبيعي” يتم التعايش معه.

#السودان #مؤتمر_برلين #أزمة_السودان #حقوق_الإنسان #الأمن_القومي #لا_للحرب #المجتمع_الدولي #الهدف_أخبار #السودان_ينهار #أخبار_السودان #أمجد_السيد #ملف_الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.