حياة مصطفى ملهمة (حياتي حياتي.. أحبك انتي)

صحيفة الهدف

حسن الجزولي

الهدف – مختارات

كعادتنا، درجنا، الصديق بدر الدين حمدي وأنا، للمؤانسة وتجاذب أطراف الحديث دوماً في الهزيع الأخير من الليل عبر الهاتف كل يومين تلاتة، و(بدري) كما يحلو لصديقه الفنان محمد وردي أن يناديه، انسان مليح ونّاس، وقد حباه الله بقدرة فائقة على الحكي (المقعّد) وتجاذب أطراف الحديث المتسلسل والذي يجرك بهدوء مدهش من موضوع لا ينتهي به حتى يعرج بك ويدخلك في نفاج آخر من الحكي الأكثر متعة وتشويقاً! كما أنه شخص موسوعي في العديد من الموضوعات، خاصة في الأنساب وأهل السودان وسلالاتهم. إلى جانب أنه مطرب مطبوع يملك صوتاً طروباً أسّس مع أتراب له فرقة جاز أضواء بحري، وأيضاً سباح ماهر وملاكم ورحالة جاب العالم وأطرافه، وبهذه الصفة – إلى جانب أخريات سأتناولها في مقال آخر مخصص عنه – تراه قد اجتمع حوله لفيف من أصدقائه في مختلف التخصصات وضروب الحياة رجالاً ونساءً.

في مرة وهو يحكي لي، عرّج إلى زيارة له لبراغ عاصمة دولة تشيكوسلفاكيا الجميلة السابقة، للمشاركة كملاكم من نادي الخريجين بالخرطوم وبدعوة من السفير التشيكي هورنيك بالخرطوم، في مهرجان (اسبرتكيادا) الرياضي والذي كان يقام سنوياً في أكبر استادات العاصمة براغ، وذكر لي أنه تعرف فيها على الشاعر الراحل مبارك عبد الوهاب، والذي كان يدرس فيها علوم الهندسة منذ أوائل سنوات الستينيات، ثم أشار لي في تعريف أكثر دقة لهذا الشاعر، بأنه هو من كتب قصيدة (حياتي حياتي.. أحبك انتي) والتي تغنّى بها الفنان أحمد المصطفى فيما بعد.

وهكذا دفع لي بخبطة صحفية نادرة، وبقرني استشعار استقصائية، استفسرته عن تلك الملهمة التي حركت مشاعر الشاعر، فإذا به يشير للمعلمة والصحفية الراحلة ( حياة مصطفى)، الشهيرة بأم عادل، والتي كان يحبها، إلا أنه لم يرتبط بها رغم سعيه لذلك.

التقطت المعلومة منه، وقبعت لفترة أبحث عن هذه الملهمة أو عن أي خيط يوصلني لديارها وأهلها دون جدوى.

حتى وردتني ذات يوم محادثة هاتفية لم أكن اتوقع مطلقاً وقع المفاجئة المتعلقة بها عليّ!

عرفني المتحدث بأنه زميل مهنة معي وأنه يجمعنا سوياً قروب نقابة الصحفيين السودانيين بالواتساب، وقال أنه يقرأ لي كثيراً، خاصة سلسلتي (ملهمات) كبحث في مصادر الأغنية العاطفية السودانية والتي أعجبته حداً جعله يحدثني عن والدته الراحلة.

حكى لي الصحفي دكتور عادل أحمد إبراهيم، عن والدته الراحلة كثيراً، وعرفني بها باعتبارها ملهمة لأغنية ( حياتي حياتي)!

للحظة تذكرت هول المفاجئة التي تملكت الراوي في قصة موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، عندما سمع مصطفى سعيد بطل الرواية يتلو في المجلس الذي ضمه معه بقرية نائية شمال السودان، شعراً رصيناً بلغة إنجليزية سليمة، وكيف أنه هب واقفاً وقد وقف شعر رأسه! هذا تماماً ما تملكني من مشاعر عندما قال لي عادل أنه ابن ملهمة تلك الأغنية والتي حدثني عنها صديقي بدر الدين حمدي، وظللت ألهث خلف أي خيط يوصلني لأهلها،

استطعت بعد لأي أن أتمالك أعصابي، وسألته بهدوء بعد أن حكي لي عنها مطولاً، ما إن كان هناك من مصدر يعضّد شهادته هذه، وللمرة الثانية يكاد شعر رأسي يقف من هول ( المصادفة العجيبة) هذه المرة، عندما أشار لي إلى اسم صديقي بدر الدين حمدي كصديق لشاعر الأغنية!

وهكذا دلقت أمامي الصدفة العجيبة معلومات كاملة عن ملهمة أغنية

(حياتي حياتي ..

أحبك انتي..

كحبي لذاتي ..

لأنك انتي

معاني الحياة).

××××

هي من مواليد 1936 بأم درمان، وتنتمي الأستاذة حياة لأسرة الدعيتة والحضري بمدينة أم درمان من ناحية الأم، وإلى أسرة والدها الماحي محمد فزع من مويس بشندي. رباها جدها مصطفى عبد الماجد الحضري من والدتها ست النفر، لذا يطلق عليها حياة مصطفى، دون أن تكنى باسم والدها، درست المرحلة الأولية بمدرسة المليك والوسطى بمدني، ثم التحقت بكلية المعلمات بأم درمان ونالت دبلوم التربية ثم أصبحت معلمة بالمدارس الأولية. تدرجت في وظيفة التعليم حتى أصبحت ناظرة، فأسست مدارس السلمابي والرياض المزدوجة، إلى جانب عدة مدارس أخرى. وقد مثلت المعلمات في جبهة الهيئات التي قادت ثورة أكتوبر المجيدة عام 1964 ضد الحكم العسكري الأول. وتعد من الرعيل الأول للصحفيات السودانيات. كما ارتبطت لفترة بالاتحاد النسائي السوداني.

عندما التقاها الشاعر مبارك عبد الوهاب بكلية المعلمات أُعجب بها وتقدم لخطبتها، إلا أن خالتها تمنعت ولم توافق نسبة لارتباط الشاعر بالحزب الشيوعي!، وذلك حسب إفادة ابنها الأكبر عادل لي.

وفيما بعد ارتبطت بزوجها الراحل أحمد إبراهيم (ود البي) الذي كان باشكاتباً بوزارة المالية وتدرج ليصير مساعد وكيل أول لوزارة المالية، وقد أنجب منها أبنا آخر هو الفاتح المقيم بأمريكا وبنت وحيدة هي نجاة وتعمل معلمة، إلى جانب الابن الأكبر عادل، ويحمل درجة الدكتوراة الفخرية والمهنية في الإعلام .

كتب فيها الشاعر الأغنية الشهيرة عام 1954 أثناء دراستها بكلية المعلمات. وعند سفره للدراسة ببراغ، ارتبط هناك بسلوفاكية تدعى (ميلكا) وأنجب منها بنتين ولكنه انفصل عنها فيما بعد، وذلك حسب إفادة صديقه الشاعر والملحن دكتور محمد عبد الله محمد صالح لابن الملهمة، والذي أوضح له أن الشاعر مبارك عمل في مصنع سكر الجنيد وشارك كمهندس في افتتاح مصنعي سكر حلفا وسنار، وعنه قال أنه كان مثقفاً رفيعاً ومبدعاً وموسوعياً دعا عدداً من المطربين السودانيين لزيارة دولة تشيكوسلفاكيا السابقة كأحمد المصطفى وابراهيم عوض وغيرهما.

تكاثرت عليه الأمراض خاصة بعدما فقد ابنتيه بسبب سفر أمهما بهما بعد الانفصال ولم يرهما بعد ذلك مطلقا، مما فاقم ذلك من مرضه ليرحل في 8 مارس عام 1997 الى رحمة مولاه.

أما ملهمته السيدة حياة مصطفى، أم عادل، فقد رحلت هي الأخرى عام 2015، لهما الرحمة والمغفرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.