حوار العدد: الفنانة منى عبد الرحيم لـ(ملف الهدف الثقافي):

صحيفة الهدف
  • الفن وسيلة وعي وتعبير عن قضايا المجتمع
  • الفن في زمن الأزمات ضرورة.. يمنح الناس القدرة على الفهم والصمود
  • مشاركتي في (الحشاشين) نسمة أمل.. أعادت لي التوازن وفتحت أمامي آفاقًا جديدة
  • الدراما السودانية تمتلك طاقات كبيرة لكنها تحتاج إلى دعم واستقرار إنتاجي
  • أفضّل الأدوار التي تلامس الإنسان البسيط وتعكس واقعه اليومي
  • الدراما السودانية تمتلك طاقات كبيرة لكنها تحتاج إلى دعم واستقرار إنتاجي

تُعدّ الفنانة منى عبد الرحيم من الوجوه البارزة في الدراما السودانية، وتنتمي إلى جيلٍ أسهم في ترسيخ حضور المسرح والتلفزيون السودانيين داخل المشهد الثقافي المحلي، مع امتدادات واضحة نحو الدراما العربية المشتركة.
بدأت تجربتها الفنية عبر المسرح والعمل التلفزيوني، حيث قدّمت أدوارًا اجتماعية وإنسانية اتسمت بالواقعية والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن يتسع حضورها عربيًا من خلال مشاركاتها في أعمال درامية خارج السودان، من أبرزها المسلسل التاريخي (الحشاشين)، الذي أعاد تسليط الضوء على حضور الفنان السوداني في الإنتاجات العربية الكبرى.
في هذا الحوار، تتوقف “الهدف” عند محطات تجربتها بين المسرح والدراما، وأسئلتها حول الفن والهوية، ومسارها بين المحلي والعربي، وكيف تشكّل حضورها الفني عبر سنوات من العمل والتجربة.

حوار: منى الرشيد

  • في نقطةٍ ما بين الإنسانة والمبدعة، كيف تتشكّل ملامحك الحقيقية، وأين تنتهين ويبدأ الفن؟

– أن أكون، كإنسانة، بكامل حضوري.. تتشكّل في داخلي إبداعات كامنة، وأنا حاضرة بكل مشاعري وطموحاتي وآمالي وانتمائي ورسـوخي في أرضي. ليس هنالك نهاية، حيث تطفو على السطح شخصية المرأة التي تتشكّل ملامحها بقوة نتيجة لما وهبها الله من عطاء.

  • هل كان دخولك إلى المسرح والفن خيارًا واعيًا أم قدرًا فرض نفسه منذ اللحظة الأولى؟
    – دخولي إلى المسرح كان خيارًا واعيًا منذ البداية، وكان مدخلًا لي إلى التدريس، وإلى الرغبة في التخصّص فيه، ومن خلاله برزت مواهبي. لقد هيّأت لي والدتي، المعلّمة، كل الظروف لأن تطفو موهبتي على السطح، وصولًا إلى تحقيق رؤى متعدّدة الاختصاص، تناسب المفهوم الفردي للاختيار الحر نحو توجهات مختلفة. كنت منذ الطفولة أرسم وألقي الشعر وأكتب، وأقدّم عروض مسرح خيال الظل للأطفال. إن رسم منهجية التوجّه ليس محددًا، وإنما يرتبط بذوات متحركة وموهبة، وهو فعل ليس من قبيل المصادفة.
  • ماذا بقي في ذاكرتك من سنوات معهد الموسيقى والمسرح؟ كيف ساهم في تشكيل وعيك المسرحي؟
    – يمكن اعتبار معهد الموسيقى والمسرح هو المحطة الرئيسية التي شكّلت الكماليات الأدبية والفنية لدينا. لقد حقق لي المعهد طموحاتي، ومهّد لي الطريق، وأخرج الكامن من مواهبي، وصقلها، وشكّل الكماليات في دواخلي، وقدّمني للجمهور، وكان سببًا في نجوميتي في مرحلة العصر الذهبي للآداب والفنون. وهو يمثل اتجاهات هامة وسامية الحضور، وقد مهّد لنا التداخل مع تجارب جديدة فرضها التطور التكنولوجي.
  • متى أدركتِ أن الفن ليس ترفًا بل موقف، وكيف تشكّل لديك مفهوم الأدب الملتزم خارج القوالب الشعاراتية؟
    – الفن وظيفة اجتماعية أساسية في تحريك النزعات الإنسانية الكامنة، نفسية كانت أم أيديولوجية. يجب على الفنان الحفاظ على الكرامة الإنسانية وسط قسوة الواقع، مع مواجهته. الآداب والفنون أدوات مقاومة، توثّق الذاكرة، وتعيد صياغة الحياة، وتضمد الجراح، وتصبح قوة فاعلة معرفيًا ونفسيًا، تمنح المجتمع وسيلة لفهم ذاته ومواجهة تحدياته.
  • تجربتك مع زوجك الموسيقار الراحل محمد سراج الدين كانت استثنائية، جمعت بين الحياة والإبداع.. كيف تقرئين أثرها اليوم في اختياراتك؟
    – عشت مع زوجي الراحل أربعين عامًا زواجًا نموذجيًا، أثمر أبناءً وعطاءً، في ثنائية ناجحة قدّمنا فيها الكثير من الأعمال الناجحة، خاصة في المسرح والموسيقى والألحان، مع التركيز على جانب ثقافة الطفل. وقد صاغ لي الألحان كموسيقى تصويرية للعديد من مسرحياتي، آخرها مسرحية (نبض الثورة) التي أخرجتها أخيرًا للأمم المتحدة، ومسرحية (جسر الحلم بالجمال) للأطفال، والتي عُرضت قبل أسبوع من بداية الحرب. وشاركنا في الفعاليات والمهرجانات والمنتديات الفكرية، والمنشورات والمسابقات الأدبية والإبداعية، إلى جانب الورش والسينوغرافيا والمحاضرات الأدائية في مجال الدراما الموسيقية ومسرح الطفل، وانطلقنا في آفاق الإبداع بخطوات ثابتة وواثقة.
    إن اختياراتي بعد رحيله مستلهمة من روحه التي امتزجت بروحي.. رحمه الله.
  • رؤيتك بين الصحافة والدراما.. أين تجدين نفسك أكثر صدقًا وحرية، وأيهما أكثر إنصافًا لقضاياك وطموحك؟
    – الدراما تشمل كل خيوط النسيج الأدبي والفني، كأبٍ للفنون، حيث تتشكّل فيها جميع الفنون، بما فيها الأدب والخطابة والشعر والغناء والموسيقى والفن التشكيلي والرقص التعبيري ولغة الجسد وغيرها.. وفي الخيال الأدبي تطفو صورة الكاتب على السطح، والكاتب لا يحتاج لعناصر عرض مساعدة سوى ذهنه وأوراقه وقلمه، وهو يعمل على مقاومة الواقع القبيح ويدعو إلى إدانته وتغييره. وهو يحمل دلالات تعبيرية وشحنات ثقافية ورؤيوية مجتمعة، لأن وظيفته رصد الواقع وتلوينه جماليًا، بل هي ضرورة اجتماعية هامة، وتعتمد على التعبير وروح النقد الاجتماعي وكسر مركزية المكان.
  • خضتِ تجارب درامية في الخليج ومصر.. كيف تقيمين هذه التجارب، وماذا أضافت لك المشاركة في أعمال مثل مسلسل (الحشاشين) على مستوى الانتشار والخبرة؟
    – عملتُ مخرجة لبرنامج الأطفال في تلفزيون سلطنة عُمان، وعملتُ مديرة لمسرح القاعات الكبرى بالإمارات العربية المتحدة، بنادي سيدات الشارقة، الذي يُقدَّم فيه ملتقى أطفال العرب سنويًا. إن البحث عن الذات المستمر، وتحقيق الوجود بشرف، والتواصل مع الشعوب الأخرى، وامتزاج ثقافاتها ورؤاها، التي تمثل شعورها، يجمعنا للتفاعل معها على أنها قيمة تاريخية إنسانية تضمنا سويًا كشعوب، في ظل التطور التكنولوجي السريع وانتشار الوسائط الإلكترونية. مشاركتي في مسلسل (الحشاشين) الضخم، من إخراج المخرج المصري المتميز بيتر ميمي، كانت لفتة جميلة، وكانت بالنسبة لي كنسمة منعشة في صيف حار، في مرحلة صعبة نسبة لما يدور في وطني من مآسٍ.
    أنا سعيدة بهذه المشاركة، وبكل من أثنى عليّ، وأشكر كل الجهات التي كرّمتني. أضافت لي هذه المشاركة، التي أسعدت السودانيين، وخلقت لي علاقات وفرصًا أخرى للمشاركة، وإلقاء الضوء على تجربتي الفنية.
  • برأيك، لماذا لم تستطع الدراما السودانية حتى الآن مضاهاة نظيراتها عربيًا، وما الذي ينقصها لتلحق بركب الإنتاج والتأثير؟
    – الدراما السودانية استطاعت أن تنافس وتحصد الجوائز، فهناك طاقات إبداعية قدّمت، وما زالت تشارك رغم ظروف الحروب. هم قادرون على صناعة عروضهم وتقديم نصوص متنوعة بمختلف الأشكال التي يقبلون عليها. وقد شهدت المهرجانات العربية مشاركات عدد من النجوم السودانيين الموهوبين بأعمال مدهشة، آخرها مسرحية (نون الفجوة) التي نالت عدة جوائز. إن رسم الأهداف الأولية لمنهجية العمل سارٍ، والتي أثمرت صناعة قاعدة جماهيرية. سيظل المسرح السوداني معطاءً، رغم الظروف السياسية والاجتماعية وعدم الدعم والرعاية، مزدهرًا بمبدعيه.
  •  المسرح العربي صنع مجده عبر أعمال خالدة مثل (مدرسة المشاغبين) و(شاهد ما شافش حاجة) و(كاسك يا وطني).. ما الذي جعل هذه الأعمال تعيش كل هذا الزمن، وما الذي ينقص مسرحنا اليوم ليصنع مجده الخاص؟
    – تزامن عرض المسرحيات العربية التي حققت نجاحًا، والتي ذكرتها، مع تاريخ تأسيس معهد الموسيقى والمسرح، الذي أفرد مساحة لصقل الموهوبين في مجال الدراما، وقد تأسّس على أيدي دراميين مصريين، هما د.عوض محمد عوض ود.نادية السبع، والموسيقار د.الماحي إسماعيل. وقد قُدّمت آنذاك مسرحيات عالمية وعربية وسودانية أثرت الساحة الفنية، واستقطبت جمهورًا كبيرًا منذ السبعينيات، بداية من تطورها وتبلورها بصفتها نظامًا شكليًا مستقلًا، وصولًا لارتباطها بالفنون، مع ضرورة فهم كيفيات التعامل مع مفردات العمل المسرحي وإمكانيات توليفه مع الفكرة. ومع النجاح تواصل العطاء، ثم تعثّر بسبب الحروب، ويحاول الدرامي تقديم مساهماته المتواضعة حسب ظروفه.
  • ما الدور الذي لعبته الدراما السودانية في تشكيل الهوية والوعي، وكيف يمكن للفنان أن يكون جسرًا بين جيل الرواد والأجيال الجديدة وصانعًا حقيقيًا للسلام؟
    – الدراما لعبت دورًا هامًا في تشكيل الإنسان بمفهومه الواعي، وما زالت، وذلك عبر الوسائط المختلفة. فالدرامي السوداني قادر على العطاء وتوثيق التجربة الإنسانية، ومقاومة الصعاب، والاستلهام من ماضيه، والمواكبة، وصولًا لدوره في تقديم البديل الموضوعي المفيد والمقنع، وتقديم أعمال مستلهمة وفق أساليب جديدة. وأي أفق في التجريب المسرحي، واستغلال النص المستمد من الواقع السوداني، وتصوير الظروف المحيطة به، وصولًا إلى تقديم أعمال تنبض بوعي المتلقي وتترك أثرها العميق فيه، من أجل التعايش السلمي والسلام.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.