بناء العقول

صحيفة الهدف

الدكتور نائِل اليعقوبابي

(لم ينجز شيء إلاّ أولئك الذين تجرأوا على الاعتقاد أن بداخلهم قوى تتفوق على الظروف..).

– بروس بارتون –

.. في مطلع الستينيات من القرن الماضي، قدم إلى الرئيس الأمريكي تقرير بعنوان (أمة في خطر).

يركز على انخفاض مستوى تدريس العلوم والرياضيات في المؤسسات التعليمية الأمريكية بالمقارنة مع مثيله في الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبية، فكان أن أعلن ما يشبه (النفير العام) في الولايات المتحدة الأمريكية، وتم اتخاذ قرارات حازمة وصارمة لإصلاح الوضع وللعناية الفائقة بالتعليم في جميع مستوياته، بعد أن اقتنعت الإدارة الأمريكية أن المسألة تهدد مستقبل أمريكا.

وكانت تلك البداية لنهضة تعليمية علمية تقانية هائلة، البداية كانت عندما استطاع الاتحاد السوفييتي السابق أن يسبق العالم بإطلاقه أول قمر صناعي إلى الفضاء ما أثار الهلع في أمريكا والتي انصب جام غضبها على نظام التعليم المعمول به وعلى نظرية (جون ديوي) التي يرتكز عليها هذا النظام، الأمر الذي دفع إلى ما يسمى المنافسة حتى في النظام التعليمي. ‏

المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – إيسيسكو- أوضح في مقال له نشر في إحدى الصحف العربية: (أن نظرة فاحصة نلقيها على أوضاع النشاطات العلمية والصناعية ومستويات التعليم وأهدافه ومخرجاته. وأسئلة نطرحها عن السياسات الإستراتيجية للدول المنضمة إلى المنظمة، تبين لنا أن العالم العربي بعيد جداً عن التنافس الفعلي، لأن التعليم في مجمله لا يخرج في الغالب سوى أفواج من المتعلمين الذين قد يجد قليل منهم العمل، بينما تبقى الغالبية منهم عاطلة، وذلك لغياب الرؤية الإستراتيجية والمناهج المناسبة التي تخدم أهدافاً واضحة، وتلبي حاجات المجتمع وسوق العمل ) . ‏

في العام الماضي نشرت في أحد البلدان العربية نتائج استطلاع قامت بها جهة رسمية، حول مستوى التعليم الابتدائي، كشف أن مستوى التلاميذ في اللغة العربية وفي اللغة الأجنبية وفي الرياضيات التي يتلقونها في المدرسة، مستوى بلغ أقصى درجات التدني، وكانت تلك بادرة جريئة أن تعترف بهذا الواقع دولة عربية، الأمر الذي يفترض أن يدفعها إلى إعادة النظر في العملية التعليمية بصورة عامة والنهوض الحقيقي بالتعليم من الابتدائي إلى الجامعة وما بعد الجامعة. ‏

إننا هنا في السودان في ظل السياسات التعليمية غير الممنهجة، والمرتجلة، في حاجة إلى بناء العقول العلمية المنتجة، فالأمم تتقدم بالعلم والإنتاج لا بالارتجال. ‏

ضمن هذا الإطار تمكنت عديد من الدول من تحقيق إنجازات كبيرة على صعيد التقدم الاقتصادي بالاستناد إلى أنظمة تعليم صاغتها بما يتوافق واحتياجاتها. ‏

وتلك الدول تتشابه ظروفها وإمكانياتها مع العديد من الدول العربية، فمثلاً تمكن نظام تعليمي يسمى (المدرسة الماليزية) من المساهمة الفعلية في النهضة الماليزية نظراً لما وفره هذا النظام من إمكانية تخريج كوادر في مجالات عدة تتطلبها سوق العمل الجديدة، حيث الاستثمارات التي تنامت في هذا البلد، وحيث الكوادر البشرية القادرة على الاضطلاع بأعباء تلك الاستثمارات المتقدمة، وكانت هذه التجربة مثار إعجاب واقتداء في العديد من دول العالم. ‏

أما في الهند، ظهر ما يسمى النظام التعليمي الهندي أو المدرسة الهندية، وأصبح أولياء تلاميذ في اليابان التي حقق طلبتها تقدماً كبيراً في التعامل مع الأرقام على طلبة العالم ينشدون لإدخال أطفالهم في المدارس اليابانية التي تعتمد النظام الهندي، هذا النظام يقوم على فكرة تعليم الطفل مادة الرياضيات والتعامل مع الأرقام دون استخدام القلم والورقة. وهذا قاد إلى إقامة معاهد عليا للتعليم في الهند بعد أن أصبح التعليم في هذه المعاهد مطمحاً لمعظم طلبة الهند وخريجي هذه المعاهد.. مطمحاً لشركات التكنولوجيا في أوروبا. ‏

إذاً التنافس الفعلي في التعليم لا يقل أهمية عن التنافس الفعلي في التنمية، بل على العكس بقدر ما تكون إستراتيجية التعليم مبنية على آلية تتعلق بالتنمية بالدرجة الأولى بقدر ما يساعد ذلك على تسريع وتيرة التنمية، إذاً التعليم كالهواء والماء لا يمكن للدول أن تنمو من دون تعليم أولاً ولا يمكن أن تحقق قفزات نوعية من دون تعليم متميز ومنافسة فعلية في التعليم ذاته.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.