الدولة الوطنية سبيل لبنان إلى التحصين من القضم الصـ.ـهيوني

صحيفة الهدف

د.محمد مراد

باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية

بعد نحو من مئة وست سنوات مضت على لبنان كجغرافية سياسية واجتماعية واجتماع سياسي، فإنّه بات يقف اليوم أمام مفترق خطير لمواجهة مستقبل وجوده كأرض وإجتماع ديمغرافي ودولة.

يواجه لبنان اليوم لحظة تاريخية حرجة بشأن مآلات الحروب المندلعة على غير جبهة لبنانية وعربية وشرق اوسطية، لا سيّما الحرب بين أميركا و”إسـ.ـرائيل” من جهة، وإيران ومحورها الإقليمي في لبنان والعراق واليمن من جهة أخرى. ولمّا كانت هذه الحروب مخطّطة في مشاريع استراتيجية لدول ذات نزعات توسّع في النفوذ والسيطرة والتغوّل، وبصورة خاصّة المشروع الصـ.ـهيوني المدفوع بايديولوجية توراتية تهويدية لقيام دولة اليهود الكبرى على حساب أرض عدد من الأقطار العربية المجاورة لفـ.ـلسطين، فقد كان لبنان دائماً في عين هذا المشروع الصـ.ـهيوني المرسوم في مراحل تنفيذية متدرّجة، والتي تلحظ السيطرة على قسم من أرض لبنان في الجنوب والبقاع وفي مياه نهر الليطاني – النهر الأكبر والأغزر طاقة مائية في لبنان.

ثمّة ثلاثة مشاريع مسارية متشابكة في الحدث والنتيجة من حيث تداعيات الحروب التي ما تزال متفجٌرة في المنطقة العربية والشرق أوسطية.

الأول مشروع الحركة الصـ.ـهيونية المتنامي تدريجياً منذ أول مؤتمر في مدينة بازل السويسرية عام 1897، والذي ترأسه هرتزل مطلقاً، لأول مرة، شعار الدولة اليهودية على أرض فلسـ.ـطين، وهو المشروع الذي لم يكن بمعزل عن حاجات الرأسمالية الغربية، وفي مقدّمتها البريطانية آنذاك، إلى التوسّع الاستعماري في أماكن الثروة حيث المواد الخام متوفرة لنشاط الرأسمال الصناعي ومراكماته، من هنا، بدأ المشروع الصـ.ـهيوني متقاطعا بقوّة مع ظهور الدولة الكولونيالية في غرب أوروبا لتحقيق مصالحة متداخلة ومتكاملة، وقد استمر هذا التقاطع المتشابك في مؤتمر” كامبل بانرمان”  1907، ثمّ في وعد بلفور 1917، وصولاً إلى قيام الكيان الصـ.ـهيوني تحت اسم ” دولة إسـ.ـرائيل” 1948 على حوالي 78% من أرض فلـ.ـسطين التاريخية، لتعود لتشمل كل فلـ.ـسطين في حرب خاطفة عام 1067، حيث هزمت ثلاثة جيوش عربية في ستة أيام فقط.

المشروع الثاني، هو المشروع الفلـ.ـسطيني- العربي الذي راح يدعو لتحرير فلـ.ـسطين عبر الكفاح المسلّح بوصفه أكثر ضمانة لتحقيق نتائج ملموسة تعيد للفلسـ.ـطينيين حقوقهم المغتصبة، لكن هذا المشروع راح يسلك طريق الهزائم المتناسلة، حيث تحوٌل في كثير من الأحيان إلى أزمات فلسـ.ـطينية في دول المواجهة العربية من الأردن إلى سوريا ولبنان ودول عديدة أخرى، وصولاً إلى تصاعد الهزائم المستمرة لقضية فلـ.ـسطين ومعها قضايا متلازمة في الأردن 1970، ولبنان 1982، وحرب حماس في غزة 2023.

وقد استغل التوسع الفارسي في الوطن العربي من خلال نظام ” ولاية الفقيه” كل ذلك، متغطياً بدعم القضية الفلسطينية والانتصار لها لإضفاء شرعية ظاهرية على طموحاته التوسعية الحقيقية وإضعاف العرب من خلال إقحام  التفتيت الديني والطائفي في المجتمع العربي، وهو في كل ذلك إنما يخدم ويتكامل مع المشروع الصهيوني الأول. حيث راحت إيران ترفع شعار  المقاومة “الإسلامية” البديلة للمقاومات العربية. لكن الدخول الإيراني كان اندفاعاً أيديولوجياً أراد أن يستغل بعض الأوساط ليجعل منها بيئات حاضنة له في لبنان وسوريا والعراق واليمن. وبدلاً من تحرير فلـ.ـسطين ونصرة قضيتها، راحت إيران تحول هذه البيئات إلى ما يشبه الدويلات الموازية للدول القائمة، الأمر الذي زاد في إضعاف الدول العربية المركزية، وأسهم في تفكيك بنياتها الاجتماعية والوطنية، حتى باتت مرهونة إلى الضعف والتشظي من ناحية، والأزمات والحروب الأهلية المخزونة بالمذهبيات السياسية من ناحية أخرى.

المشروع الثالث، والمقصود به مشروع قيام الدولة الوطنية اللبنانية على أساس وحدة الجغرافية السياسية والاجتماعية والاستقلال واستعادة قرار السيادة الوطنية في السلم والحرب وتقرير العلاقات مع الخارج الدولي والإقليمي، واجه هذا المشروع، وما يزال، عقبات قاسية، حالت دون تمكين السلطة المركزية الحاكمة للدولة من تأكيد  أحاديتها كشرعية قائدة للدولة ومجتمعها وعلاقاتها الخارجية.

صحيح أن المشروع الصـ.ـهيوني المدعوم أميركياً قادر على تحقيق اختراقات في لبنان وغيره من الدول المجاورة عبر ما يسمى بالاتفاقات الإبراهيمية  وسياسات التطبيع مع بلدان عربية عديدة، والتي تطمح “إسـ.ـرائيل” بأن يكون لبنان الدولة المضافة إلى عمليات التطبيع الجارية، لكن هناك عقبات تجعل من المستحيل التأثير على إحداث تغيير في مسلّمة الدولة اللبنانية، وهذا يعود إلى عوامل عديدة، من أبرزها:

1- قيام الدولة اللبنانية في العام 1920 كحاجة جغرافية اقتصادية وسياسية لكل الجماعات التعددية على أرضه، لكن المشكلة في هذه الجماعات انًها استمرٌت جماعات طوائفية ومذاهبية متمايزة، الأمر الذي حال دون قيام الجماعة التكاؤنية الواحدة التي تلتقي على هويّة وطنية ومواطنة ومستقبل جامع وموحّد. إلا أن ثمّة عبرة قد تأخذها هذه الجماعات من مآسي وآلام التجارب والأزمات السابقة بهدف اندفاعها نحو التلاقي والاندماج في مجتمع الدولة الواحدة.

2 – الوجود المسيحي في لبنان، هو وجود يختلف في بنيته الثقافية التاريخية عن سائر باقي الطوائف الإسلامية التي ارتضت قيام الدولة اللبنانية الحديثة في العام 1920، وراحت تجدّد قبولها واندماجها في دولة الإستقلال عام 1943، وفي ميثاق الطائف 1989. إنّ الوجود المسيحي بكل مقوّماته الثقافية والحضارية ونزعته اللبنانية الاستقلالية هو وجود ضمانة للبنان وبقائه واستقلاله وتطوره. هناك مسألة ثابتة في هذا المجال، وهي أن الوجود المسيحي في لبنان وحتى في المشرق العربي، هو بجوهره وجود أكثر مناهضة وممانعة للمشروع الصهيوني واطماعه التوسعية في لبنان وباقي الأقطار العربية، وإذا كانت قد ظهرت بعض الإرهاصات السياسية التي تطرح توجهاً مختلفاً عن حقيقة جوهر هذا الوجود؛ فإنها تبقى إرهاصات سياسية محصورة في أطر وهياكل سياسية فوقية ولا تمس جوهر هذا  الوجود الذي نبّه إليه مبكراً ميشال شيحا وشارل مالك وكثيرون من النخب الفكرية.

3- وصول كل الجماعات اللبنانية إلى قناعة حاسمة بالانضواء تحت سقف الدولة الوطنية كهدف استراتيجي وثابت، والتحرر النهائي من الولاءات الخارجية الدولية والإقليمية.

4- حزم السلطة الحاكمة للدولة بإلغاء مفاعيل الطائفية السياسية من كل مؤسسات وإدارات وتشريعات دستور الدولة، والمناداة بلبنان دولة مدنية ديمقراطية حقيقية.

6- قانون جديد وجريء للأحزاب يقضي بحل كل الأحزاب ذات اللون الطائفي أو المذهبي الواحد، والمباشرة بالتصريح والترخيص لأحزاب ممتدة في كل الجماعات اللبنانية.

7- دور النخب الأكاديمية والفكرية والاجتماعية والسياسية من خلال صياغة استراتيجية لبنانية مستقبلية تعتمد الإخلاص للوطن والدولة والمجتمع.

إنّ تضافر العوامل المشار إليها يبقى يمتلك القدرة الوطنية اللبنانية الجامعة للتصدّي للعدوانية الصهيونية ومخططاتها التوسّعية على حساب الأرض العربية في فلـ.ـسطين ولبنان وسائر الأقطار العربية الأخرى. فإذا كان لبنان الحديث والمعاصر حاجة لمستقبل كل اللبنانيين؛ فإنّ المساهمة في تعميق وتعزيز وتقوية البنيان الوطني اللبناني يبقى يمثّل القوّة المانعة القادرة على صدّ نزعات التوسّع الصـ.ـهيوني الاستيطاني في أرض لبنان ومياهه وموقعه ودوره الحضاري الفاعل وخصوصيته الجامعة بين رسالتي المسيحية والإسلام في  رسالة توليفية واحدة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.