جمال الجاك
#الهدف_ آراء حرة
لطالما كان الهروب نحو “نظرية المؤامرة” هو الملاذ الآمن لكل نظام فشل، وكل جماعة أفسدت، وكل سلطة استبدت. فالمؤامرة تمنح المذنب صك براءة مجاني، وتُحول القات.ل إلى ضحية، والفاشل إلى بطل مستهدف. لكن الحقيقة التي يكتبها السودانيون اليوم بدمائهم ودموعهم تقول غير ذلك: الأوطان لا تسقط بطعنات الغرباء، بل تنخرها سوسُ الانحرافات الداخلية قبل أن تهوي.
إن ما يحدث في السودان ليس مجرد “سوء حظ” سياسي، بل هو تجسيد حي لسنن التاريخ التي لا تحابي أحداً، وقانون سقوط الجماعات الدينية حين تتحول إلى “سلطة عسكرية سياسية إستبدادية”.
أولاً: عندما يصبح الدين “مطية” لا هداية
إن المتأمل في تجربة “الإسلامويين” في السودان منذ انقلاب 1989، يجد أن الكارثة لم تبدأ بطلقة رصاص، بل بدأت بـ “انحراف المفاهيم”. لقد قَصّ علينا القرآن قصص بني “إسرائيل” لا للتسلية، بل ليكشف لنا كيف تتحول “الجماعة المؤمنة” إلى عصابة مستبدة عندما تستخدم الدين وسيلة للتمكين الدنيوي لا غاية للإصلاح الأخلاقي.
لم يسقط مشروع “الحركة الإسلامية” فجأة؛ بل سقط متدرجاً في هاوية أخلاقية مخيفة:
تبرير الخطأ: باسم “المصلحة الدعوية”.
السكوت عنه: بدعوى “وحدة الصف”.
الدفاع عنه: تحت مبرر “فقه الضرورة”.
الاستمراء: حتى وصلوا لمرحلة (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا).
هذه هي “اللحظة الصفر” في دمار الأوطان: عندما تفقد الجماعة الحاكمة القدرة على رؤية قبح أفعالها، وتظن أن قمعها عدل، ونهبها تمكين، وقت.لها للثوار جهادًا!
ثانياً: زواج “العقيدة بالبندقية”.. صناعة الوحوش
لقد قدمت التجربة السودانية أفظع مثال لما يحدث عندما تختلط “الأيديولوجيا الضيقة” بـ “السلاح المنفلت”. إن الجماعة التي اعتقدت أن لها “حقاً إلهياً” في الحكم، لم تكتفِ بالسياسة، بل قامت بـ هدم الدولة لصالح التنظيم.
لقد ارتكبوا الخطيئة الكبرى التي ندفع ثمنها اليوم في ح.رب 15 أبريل:
تسييس الجيش: تحويل المؤسسة الوطنية إلى حامية لنظام لا لوطن.
تفكيك المهنية: استبدال “الكفاءة” بـ “الولاء” (سياسة التمكين).
صناعة المليشيات: عندما تخاف الأنظمة من جيوشها الوطنية، تلجأ لصناعة “وحوش موازية”.
إن “الجنجويد” الذين تحولوا لاحقاً إلى “قوات الدعم السريع” لم يهبطوا من السماء، بل كانوا “نبتة شيطانية” زرعتها يد النظام الذي أراد حماية كرسيه بأي ثمن. واليوم، عندما يدعي البعض البراءة من هذا الوحش، نذكرهم بـ قانون السببية: من صنع المليشيا، وسلحها، وأعطاها الشرعية لقمع أهل دارفور وكردفان، هو المسؤول الأول عن تمردها اليوم وتدميرها للخرطوم. العنف لا يظل وفياً لصاحبه للأبد!
ثالثاً: لماذا يرتعدون من “الدولة المدنية”؟
السؤال الذي يطرحه الشارع الثوري اليوم: لماذا يستميتون في وأد الحلم المدني؟
الجواب بسيط ومؤلم: لأن الدولة المدنية هي “المقبرة” للامتيازات التنظيمية.
الدولة المدنية تعني:
لا تمكين بغير كفاءة.
لا سلاح خارج يد الدولة المهنية الواحدة.
لا اقتصاد “تحت الطاولة” يمول التنظيمات والحركات.
لا استخدام للمقدس في تبرير المدنس من السياسة.
بالنسبة لجماعات “الهوس السلطوي”، فإن دولة المواطنة تعني “النهاية”. لذا، هم يفضلون “دولة الحرب”، “دولة المليشيا”، أو حتى “دولة الأنقاض”، على أن يروا سوداناً يُحكم بالقانون والمساواة.
رابعاً: هل نتعلم من “الدرس الدموي”؟
إن ح.رب أبريل ليست صراعاً بين جنرالين فحسب، بل هي الانفجار الحتمي لكل الألغام التي زُرعت طوال 30 عاماً. هي النتيجة المنطقية لإقحام الجيش في السياسة، وإقحام الدين في الصراع المسلح.
إن السودان لن ينقذه:
تبديل الوجوه العسكرية بوجوه عسكرية أخرى.
ولا تدوير المليشيات تحت مسميات جديدة.
ولا الصفقات السياسية التي تُهمل “العدالة” للضحايا.
إنقاذ السودان يبدأ بـ:
إنهاء التدخل العسكري في السياسة نهائياً.
بناء جيش مهني واحد، بعيداً عن الأدلجة الحزبية.
تفكيك بنية “التمكين” واستعادة أموال الشعب.
محاسبة كل من أجرم منذ 1989 وحتى مجازر القيادة وسبتمبر وأكتوبر، وصولاً لج.رائم الح.رب الحالية.
الخلاصة: الشعوب لا ترحم من يخذلها
الأوطان لا تدمرها المؤامرات الخارجية وحدها، بل يدمرها “الصمت” و”التبرير”. يدمرها السياسي الذي يبيع دماء الشهداء مقابل “منصب”، والنخبة التي تبرر للق.اتل فعله نكاية في الخصم السياسي.
إن التاريخ قد وضع درسه القاسي أمامنا: “من استخدم الدين دون عدل.. انكشف، ومن استخدم القمع طلباً للاستقرار.. انهار”.
يا شباب الثورة، يا أصحاب الضمائر: إن السودان أكبر من أي جماعة دينية، أو طائفة، أو حزب. القرار اليوم ليس بيد “الجنرالات” ولا “الفلول”، بل بيد وعينا الجماعي بضرورة القطيعة التامة مع “منهج التمكين” و”سلطة البندقية”.
لقد دفعنا الثمن “دماً”.. فلا تدعونا ندفعه “ندماً” بتكرار نفس الوجوه ونفس الممارسات.
الثورة وعي.. والوطن باقٍ.. والزبد سيذهب جفاءً.

Leave a Reply