سفريوي محمد
كاتب من المغرب
في كل مرة يفرض على الأمة معركة كبرى ، يطفو على السطح ذلك الرأي “التبسيطي” الذي يدعو إلى ترتيب الأولويات، واعتبار الثقافة والإبداع في ذيل الاهتمامات، كأنهما ترف من الأجدى تأجيله إلى ما بعد “المعركة الحقيقية”. غير أن هذا الطرح، الذي يبدو منطقيا للوهلة الأولى، يتضمن في عمقه خللا بنيويا: إذ يفصل بين ما هو مادي وما هو رمزي، بين الفعل والسرد، بين المواجهة ومعناها.
لقد اخبرنا إدوارد سعيد بوضوح أن معركتنا الوجودية لا تخاض فقط على الأرض، بل تخاض بالدرجة الأولى في اللغة، في الصورة، وفي السرد. من يروي القصة؟ كيف يُقدَّم الضحية والجلاد؟ ومن يمتلك سلطة تعريف الواقع؟ هنا تحديدا تتحول الثقافة إلى ساحة صراع مركزية، لا تقل خطورة عن أي ساحة أخرى.
بهذا المعنى، يصبح الإبداع فعل مقاومة: ليس لأنه يرافق الحدث، بل لأنه يعيد تشكيله ، يحرره من قبضة سردية العدو المهيمنة، ويمنحه أفقا يتجاوز لحظته. فالقضية التي لا تروى تختزل، وقد تنسى. أما حين تتحول إلى نصوص، وصور، وأعمال فنية، فإنها تكتسب قدرة على الصمود، وعلى إعادة إنتاج نفسها داخل الوعي الجمعي.
إذا انتقلنا من هذا الأفق النظري إلى واقعنا الحالي ، سنصطدم بمفارقة لافتة. حدث بحجم “أسطول الصمود”، بما يحمله من كثافة رمزية وإنسانية، لم يواكبه انخراط إبداعي يوازي أهميته. باستثناء بعض المبادرات المحدودة—مثل يوميات الصحفي أحمد بن جدو ” الطريق إلى غزة ” ، أو العمل المسرحي ” قارب غزة ” الذي قدمه أستاذ العلوم السياسية الفرنسي توما غينولي المشارك في الأسطول ، كشهادة فنية—ظل الحدث فقيرا على مستوى الإبداع الأدبي، والشعر، والمقالة الصحفية.
والحال أن “الأسطول” لم يكن مجرد حدثا سياسيا عابرا، بل مادة خام لسردية محكمة: عن التضامن، عن الحصار، عن الإرادة الإنسانية في مواجهة العنف. بل إن خطابا واحدا كالذي ألقاه الناشط التونسي و المعتقل حاليا معية زوجته و نشطاء آخرين ، وائل نوار ليلة اقتحام الجيش الصهيوني لسفينة “دير ياسين”، كان يحمل في ذاته شحنة أدبية كثيفة، قابلة و جاهزة بقليل من الجهد لأن تتحول إلى نصوص كبرى تعيد صياغة الحدث في الذاكرة الجماعية.
هنا علينا أن نتوقف مليا أمام ما يمكن تسميته بـ”الغياب الإبداعي” كوجه آخر لأزمة الفعل المقاوم و دور المثقف فيه. ليس فقط في صمته، بل في عجزه عن تحويل الوقائع إلى سرديات. وهو ما يقترب مما سماه إدوارد سعيد بـ”التفادي”: أي الانسحاب من لحظة الالتزام حين تصبح مكلفة، أو حين تتطلب تجاوز الأشكال المألوفة نحو مغامرة إبداعية حقيقية.
إن خطورة هذا الغياب لا تكمن فقط في فقدان نصوص محتملة، بل في ترك المجال مفتوحا أمام سردية العدو لتحتكر المعنى، وتعيد صياغة الحدث وفق مصالحها. ففي زمن تصنع فيه الهيمنة عبر الصورة والخطاب، يصبح الصمت الثقافي خسارة استراتيجية.
فبينما لم يتجاوز عدد الكتب العربية والفلسطينية التي تناولت حدث السابع من أكتوبر بضع عناوين ، نجد أنّ الطرف الآخر – الكيان الصهيوني – أنتج خلال أشهر فقط من بداية الحرب ،ما لا يقل عن ثلاثة وثمانين كتابا، هذه المقارنة ليست رقمية فقط، بل دلالية بامتياز: العدو يشتغل على تثبيت روايته بسرعة، وعلى تحويل الحدث إلى مادة معرفية وأرشيفية، في حين نظل نحن غارقين في رد الفعل و الانكباب على صناعة الشعار و الخبر الصحفي، أو في صمت قد يفهم بكونه عجز في الإبداع …
من هنا، لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى “تزيين” النضال بالإبداع، بل بإدراك أن الإبداع جزء من بنيته. أن الكتابة، والمسرح، والشعر، ليست هوامش، بل أدوات لإنتاج المعنى، ولتحويل الفعل السياسي إلى ذاكرة حية.
إن استعادة الثقافة كساحة مقاومة تعني، قبل كل شيء، كسر هذا الفصل الوهمي بين الجبهات. فالنضال الذي لا يُروى يظل ناقصًا، والإبداع الذي لا ينحاز يفقد معناه. وبينهما، تتحدد مسؤولية المثقف: أن يكون شاهدًا لا متفرجًا، فاعلًا لا مؤجلًا، وأن يكتب—ضد النسيان، وضد الهيمنة—سردية أخرى… قادرة على المواجهة.

Leave a Reply