الولائيّة المقنّعة: من خطاب المقاومة إلى الارتهان للمحاور

صحيفة الهدف

عثمان الحاج عمر

لم يعد ما نشهده في تونس وفي أجزاء واسعة من الفضاء العربي والإسلامي مجرّد تعاطف سياسي عابر مع ما يُسمّى “نظام الملالي”، بل تحوّل، بصمتٍ ثم بوقاحة، إلى انخراط كامل في سرديّة إقليمية تُدار من خارج الوطن العربي. لكن قبل الغوص في هذا التحوّل، لا بدّ من ضبط المفهوم الذي صار يطفو على السطح: الولائيّة.

الولائيّة، في أصلها، ليست توصيفًا إعلاميًا عابرًا، بل هي امتداد مباشر لنظرية “ولاية الفقيه” التي طوّرها  الخميني، والتي تقوم على أن ” الفقيه “، بوصفه الأعلم، يتولّى قيادة الأمة سياسيًا ودينيًا في ” غياب الإمام المهدي “. ومن هذا التصوّر، تتأسّس علاقة طاعة تتجاوز حدود الدولة، لتجعل من “المرشد” مرجعية عليا لا دينية فحسب، بل سياسية واستراتيجية أيضًا.

عمليًا، لا تعني “الولائيّة” مجرّد تعاطف أو تقاطع في المواقف، بل تعني أن يرى الفرد أو الجماعة في خميني، ثم في خامنئي الأب أو الإبن، مرجعية سياسية عليا، وأن يلتزم بتوجيهاته في القضايا الكبرى، وأن يعتبر المشروع الإيراني جزءًا من معركة كونية تحت عنوان “المقاومة”. بهذا المعنى، تصبح الولائيّة انخراطًا واعيًا في مشروع إقليمي، لا مجرد موقف ظرفي.

وقد تجلّى هذا المفهوم بوضوح في العراق بعد غزو العراق 2003، حيث لم يعد المصطلح نظريًا، بل صار واقعًا سياسيًا وأمنيًا، تُجسّده فصائل وأحزاب تدور في فلك إيران، وبعضها يعلن صراحة التزامه بخط ولاية الفقيه ويستقوي به على واقع العراق نفسه. مع التأكيد أن المسألة ليست اعتقادية مذهبية، فالأغلبية   داخل الحقل الشيعي العراقي نفسه، ترفض هذا التصوّر، وتتمسّك بفصل نسبي بين الديني والسياسي، وبأولوية القرار الوطني. وهنا يتّضح أن الولائيّة ليست قدرًا مذهبيًا، بل خيار سياسي-عقائدي.

ومن العراق إلى سوريا، ثم إلى لبنان حيث يتجسّد النموذج الأكثر اكتمالًا عبر ميليشيا حزب الله، يتبيّن أن الولائيّة ليست فقط خطابًا، بل بنية نفوذ عابرة للحدود، تُعيد تشكيل القرار الوطني وفق موازين إقليمية.

غير أنّ الأخطر من كل ذلك، هو ما حدث ويحدث في تونس. فباسم “مساندة المقاومة”، انزلقت بعض الجماعات والتيارات، على اختلاف مرجعياتها، من موقع الدعم السياسي، إلى موقع التماهي الكامل. صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت ترفع شعارات السيادة والعدالة والوحدة، تحوّلت إلى منصّات دعائية صريحة: تمجيد يومي لسياسات نظام الملالي، تثمين دائم لقياداته، وعلى رأسهم علي خامنئي، وترويج خطابه كما هو، دون تمحيص أو مساءلة.

في هذا السياق، لم يعد الموقف يُبنى على تحليل الوقائع، بل على الاصطفاف المسبق: فصيٌروا كل ما يصدر عن هذا المحور “مقاومة”، وكل نقد له “خيانة”. تُحجب الوقائع التي لا تخدم السردية، ويُتغافل عن أدوار غذّت الانقسام داخل مجتمعات عربية، وأسهمت في تأجيج صراعات طائفية، وفي إضعاف دول وتمزيق نسيجها. وهكذا، يُعاد تشكيل الوعي على قاعدة: “كن معنا على طول الخط، أو أنت ضدّنا بالكامل”.

المفارقة أن هذا الانزياح لم يقتصر على تيار بعينه؛ “قوميون”، “يساريون”، و”إسلاميون”، جميعهم، بدرجات متفاوتة، انتقلوا من موقع رفض الهيمنة إلى موقع تبرير هيمنة بديلة، حتى وإن ظلّوا يرفعون الشعارات ذاتها. هنا تحديدًا، تتشكّل “الولائيّة” في نسختها الجديدة: لا تُعلن نفسها دائمًا، لكنها تُمارَس يوميًا، في الخطاب، في المواقف، وفي إعادة إنتاج السرديات.

ليست المشكلة في دعم القضية الفلسطينية أو في مواجهة السياسات الأمريكية والصهيونية، فذلك موقف مبدئي لا جدال فيه، بل في تحويل هذا الدعم إلى تفويض مفتوح لمشروع دولة أجنبية بأجندتها التوسعية الواضحة، وفي تقديم الولاء السياسي لنظامها على حساب استقلال القرار الوطني. فحين تُعلّق العقول، وتُسلّم البوصلة، ويُستبدل النقد بالتبرير، نكون قد انتقلنا من التضامن إلى التبعية، ومن الموقف إلى الاصطفاف، ومن الحرية إلى الولائيّة.

لسنا ضدّ مقاومةٍ تُحرّر الأرض… بل ضدّ مقاومةٍ تُصادِر القرار.

لسنا ضدّ من يواجه الهيمنة… بل ضدّ من يستبدلها بهيمنةٍ أخرى.

نقولها بوضوح: لا وصاية على وعينا، ولا نيابة عن إرادتنا، ولا ولاء لوطننا العربي الكبير ولأمتنا وقضايانا العادلة.

فمن أراد أن يقاوم… فليقف حرًّا، لا تابعًا

ومن أراد أن ينحاز… فليَنحَز للشعوب لا للمحاور؛

ومن أراد أن يرفع راية الكرامة… فليحملها بيدٍ لا تُصافح التبعية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.