أزمنة الحرب والنزوح

صحيفة الهدف

منتصر دنقلا

كما أن الغربة لم تعد جغرافيا بل تحوّلًا في بنية الذات، كذلك اللجوء ليس انتقالًا من جغرافيا إلى جغرافيا أخرى، بل هو المسافة التي تنشأ بين من كنت ومن يفترض عليك أن تكون. في أزمنة الحرب، يصبح الإدراك عبئًا، لأن الإنسان يرى ويحلّل ما لا يمكن للروح احتماله. يصبح الوعي هنا عقوبة وليس ميزة، حيث يحاول “تخثير” الألم لجعله قابلًا للتداول.
الصمت ليس غيابًا للكلام، بل شكلًا آخر من التفكير حين يعجز الوعي عن احتمال نفسه. الأسئلة الوجودية عادة لا تُقال، إنها تتخثر في الداخل، كأن الإدراك نفسه حادثة بيولوجية غير مكتملة. ثمة رغبة في البوح، لكن البوح ليس لغة، بل محاولة لجعل الألم قابلًا للتداول دون أن ينفجر في صاحبه.
أدركت مؤخرًا أن الحزن ليس حالة، بل نظام زمني يتكرّر دون بداية واضحة، كأنه الطريقة الوحيدة التي يتذكر بها العالم نفسه. أنتظر المطر لا كحدث، بل كاحتمال أخلاقي يعيد ترتيب علاقتي بالذنب، حتى حين لا يكون الذنب قد وقع.
في الأنساق المتآكلة للذائقة، لا يعود الجمال قيمة، بل انزياحًا في الإدراك قد يجعل القبح شكلًا من أشكال الجمال. ثمة “شيء” لا يمكن تسميته دون أن يفقد فعاليته، كأنه يوجد فقط حين يُترك ناقصًا. هو ليس كائنًا ولا فكرة، بل أثرٌ متحرك داخل الوعي، يقتحم الإدراك كما تقتحم الحوافر صمت الأرض، لا لتترك علامة، بل لتثبت أن الصمت نفسه قابل للاختراق.
الغربة لم تعد موقعًا بل تحوّلًا في بنية الذات حين تفقد القدرة على مطابقة نفسها مع صورتها. كل حضور يصبح مؤقتًا، وكل معنى قابلًا للانزلاق إلى نقيضه دون إنذار. حتى الألم يفقد فردانيته، ويتحول إلى صيغة عامة للوجود لا تخص أحدًا بعينه. أحيانًا يبدو الوعي كأنه فائض عن الحاجة، وظيفة زائدة في جهاز العالم.
وفي هذا الفائض، يتشكّل نوع من الفرح المستحيل لا يمكن تملكه، فقط المرور به كمن يعبر فكرة لا تعود. شيءٌ ما يختصر الأزمنة، لا لأنه يسرّعها، بل لأنه يلغي الفاصل بين ما حدث وما سيحدث.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.