جرعة وعي

صحيفة الهدف

د.أحمد الليثي

في الآونة الأخيرة، ارتفعت بعض الأصوات التي تدّعي العلم والمعرفة، تحذّر من تطعيم الأطفال بحججٍ مردودة وتجارب غير موثوقة، أو باجتزاءٍ مضلّل لنتائج علمية لا تقول ما يُزعم.
الحقيقة البسيطة التي يعرفها الطب الحديث أن اللقاحات تُعدّ من أعظم إنجازات الصحة العامة في تاريخ البشرية. فبفضلها اختفى مرض قاتل مثل الجدري، وتراجعت أمراض أخرى كانت تحصد ملايين الأطفال سنويًا مثل شلل الأطفال والحصبة.
اللقاح لا يحمي الطفل الفرد فحسب، بل يحمي المجتمع بأكمله عبر ما يُعرف بـ”مناعة القطيع”، التي تمنع انتشار الأمراض وتحمي حتى من لا يستطيعون أخذ اللقاح لأسباب صحية.
الاعتماد على الشائعات أو “الخبرة الشخصية” في مسائل طبية معقّدة يشبه محاولة إصلاح محرك طائرة بقراءة منشور على وسائل التواصل. العلم لا يُبنى على القصص الفردية، بل على تجارب واسعة، ومراجعات علمية دقيقة، وتوافق مؤسسات علمية حول العالم.
ومن المفارقات أن كثيرًا من هذه الأصوات التي تُخوّف الناس من اللقاحات تستفيد يوميًا من ثمار العلم ذاته: من المضادات الحيوية إلى العمليات الجراحية والتقنيات الطبية الحديثة.
في تقديري، السكوت على مثل هذه الدعاوى ليس حيادًا، بل تقصيرٌ أخلاقي بحق المستقبل. فحين تُبث الشكوك بلا سند علمي، ويُزرع الخوف في عقول الآباء والأمهات، يتحول الصمت إلى مساهمة غير مباشرة في إعادة فتح أبواب أمراض نجح العلم في إغلاقها منذ عقود، وأصبحت اليوم جزءًا من ذاكرة التاريخ.
لذلك فإن مواجهة التضليل بالمعلومة الصحيحة ليست جدلًا عابرًا، بل واجبٌ معرفي وأخلاقي تجاه الأجيال القادمة. إن حماية الأطفال مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون خيارًا شخصيًا. واللقاح ليس مجرد إبرة صغيرة، بل درعٌ صامت يحرس المستقبل.
في زمن الضجيج، تبقى المعرفة العلمية الرصينة هي أفضل جرعة وعي.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.