ندى أوشي
كانت الخرطوم يومها لا تتنفّس كما ينبغي، بل تتقطّع أنفاسها على إيقاع الخوف. سماءٌ رمادية كأنها فقدت ذاكرتها الزرقاء، وهواءٌ مُثقَلٌ بأصواتٍ لا تُشبه الهواء، كأن المدينة كلّها تمشي على أطراف أصابعها خشية أن تُوقظ ما استقرّ في صدرها من فزع. منذ أن قرّرتُ البقاء في بيتي رغم الحرب، صرتُ أعيش بين جدرانٍ لا تكتفي بأن تُحيطني، بل تُنصت إليّ، تحفظ ارتجاف قلبي، وتعرف مواعيد صمتي وانكساري أكثر مما يعرفه أقرب الناس.
في أحد المساءات، قبيل أن ينطفئ الضوء الأخير في السماء، خرجتُ إلى الشارع الصغير أمام المنزل. كان ذلك الخروج أشبه بمحاولةٍ خجولة لاختبار نبض الحياة خارج العزلة. جلسنا، أنا ونساء الحيّ، كما اعتدنا، نتبادل الأحاديث والأخبار، نُرقّع بها فراغ الأيام الثقيلة. كانت الكلمات تتدافع بيننا كمن يحاول أن يُقنع نفسه بأن العالم ما زال قابلًا للاحتمال.
حولنا، كان الأطفال يركضون، يضحكون، يتصادمون ببراءةٍ كانت يومًا كاملة. لكن تلك البراءة لم تعد صافية كما ينبغي؛ كان في لعبهم شيءٌ مكسور، شيءٌ دخيل.
أحدهم رفع عصًا كأنها بندقية، وثانٍ صرخ بصوتٍ خشن يُقلّد أزيز الرصاص، وثالثٌ صحّح له بثقةٍ غريبة: لا.. ده صوت سلاح تاني!
تجمّدتُ في مكاني. لم يكن الخوف من الحرب وحدها ما قبض على صدري، بل ذلك التحوّل الخفي الذي تسلّل إلى عالمهم الصغير. الحرب لم تعد خارجهم، لم تعد حدثًا يمرّ في السماء أو على أطراف المدينة، بل صارت تسكن خيالهم، تتشكّل في ألعابهم، وتُعاد إنتاجها بأصواتٍ طفولية تحمل ما لا ينبغي لطفولةٍ أن تحمله.
تساءلتُ بصمتٍ موجع: كيف تغيّرت طفولتهم بهذه السرعة؟ كيف صار الخيال، الذي كان يومًا ملاذًا للنقاء، يتغذّى على صوت السلاح؟ وكيف أمكن للحرب أن تجد طريقها إلى أكثر الأماكن هشاشةً في الإنسان؟
في تلك اللحظة، لمعت الفكرة في داخلي كشمعةٍ صغيرة في غرفةٍ غارقة في العتمة: إذا كانت الحرب قد وجدت طريقها إلى ألعابهم، فلماذا لا نحاول نحن أن نفتح للفرح طريقًا إلى أيامهم؟ لماذا لا نزرع، وسط هذا الخراب، بسمةً تُقاوم؟
بِسمةٌ في وجهِ طفل..
حين طرحتُ الفكرة على ابنتي، اتّسعت عيناها بدهشةٍ مشوبةٍ بفرحٍ خفي، كأنها رأت الضوء نفسه الذي لمحته. لم نحتج إلى كثير من الشرح؛ الفكرة كانت أكبر من الكلمات، وأبسط من التعقيد. تحمّست، وبدأنا نرسم ملامحها بالكلمات والضحكات، نُشكّلها كما يُشكَّل الحلم حين يجد من يؤمن به.
خرجنا إلى الجيران، طرقنا الأبواب بيتًا بيتًا، نحمل في أصواتنا رجاءً خفيفًا لا يخلو من التردّد. كنّا نقنع الأمهات أن يسمحوا لأطفالهم بالخروج.. لا للهروب من الخوف، بل لمواجهته بشيءٍ مختلف: باللعب.
لم يكن القرار سهلًا. في زمنٍ تُصبح فيه أبسط الخطوات مخاطرة، كان الخروج نفسه مغامرة. ومع ذلك، قرّرنا أن نخوض التجربة، لا لأننا نملك يقينًا بنجاحها، بل لأننا لم نعد نحتمل رؤية الطفولة وهي تُعاد صياغتها على هيئة حرب.
جاء يوم الفعالية. كان الميدان صغيرًا، بالكاد يتّسع لعددٍ محدود من الأطفال، لكنه بدا لي واسعًا كقلب أمٍّ تحتضن أبناءها جميعًا. نظّفناه بعناية، رتّبنا الكراسي، وعلّقنا ما توفر من زينةٍ بسيطة، كأننا نُعيد ترتيب العالم على مقاس حلمٍ صغير. كنّا نضحك، لكن ضحكاتنا كانت تخفي توتّرًا عميقًا، قلقًا من أن يخذلنا الخوف في اللحظة الأخيرة.
جلسنا ننتظر. مرّت الدقائق ببطءٍ ثقيل. تسلّل إليّ صوتٌ داخلي يقول: ربما لن يأتوا.. ربما سيغلب الخوف كل شيء.
ثم.. رأيتهم.
في البداية طفلان، يتحسّسان الطريق بحذر، ثم خمسة، ثم عشرة.. ثم موجة صغيرة من الأقدام الراكضة، تحمل معها ضحكًا نقيًّا، لا يشبه شيئًا مما سمعناه في الأسابيع الماضية.
امتلأ المكان بالحياة فجأة، كما لو أن أحدهم فتح نافذةً سرّية في جدار الزمن. تقاسموا الفرق، تعالت الهتافات، وبدأت المسابقات. كانت أصواتهم ترتفع، تتجاوز سقف الخوف، وتعلن، دون وعي، أن الحياة ما زالت قادرة على أن تُقال بصيغة أخرى.
ضحكوا.. ضحكًا حقيقيًّا، عاريًا من الخوف، لا يعرف أسماء الأسلحة ولا يحفظ أصواتها. ضحكًا يُشبه الطفولة كما ينبغي أن تكون.
نظرتُ حولي. الأمهات يبتسمن بامتنانٍ صامت، الآباء يصفّقون كأنهم يستعيدون شيئًا ضاع منهم، والأطفال.. يعودون إلى أنفسهم، إلى تلك المساحة التي لم تصلها الحرب بعد.
في تلك اللحظة، أدركتُ أن الضوء لا يحتاج أن يكون عظيمًا ليهزم العتمة، يكفي أن يكون صادقًا. يكفي أن يولد من رغبةٍ حقيقية في مقاومة الانطفاء.
تحوّلت تلك الفعالية الصغيرة إلى موعدٍ أسبوعي، ينتقل من مربعٍ إلى آخر، ومن شارعٍ إلى شارع، كأنها رسالةٌ تمشي على أقدام الأطفال. صارت البسمة عادة، وصار الميدان مساحةً آمنة، ولو مؤقتًا، جزيرةً صغيرة تطفو وسط بحرٍ من الخوف.
لم نُوقف الحرب.. لم يكن ذلك في مقدورنا. لكننا، على نحوٍ ما، أوقفناها لساعتين داخل قلوبهم.
وكلما ارتفعت ضحكة طفل، كنتُ أشعر أن شيئًا ما في هذه المدينة يرفض أن يموت. أن الخرطوم، رغم كل ما أصابها، ما زالت تُخفي في أعماقها بذرة حياة تنتظر من يسقيها.
أدركتُ أن الطفولة، مهما حاصرتها الأصوات الثقيلة، تظلّ قادرة على أن تجد طريقها نحو الضوء. وأن الفرح، مهما بدا هشًّا، يمكن أن يكون فعل مقاومة لا يقلّ قيمة عن أي شيء آخر.
وكان يكفيني، في نهاية كل ذلك، ألّا أكون قد أنقذت العالم، بل أن أكون قد أنقذت لحظة. لحظةٌ نقيّةٌ تسللت من بين أنقاض الخوف، واستقرّت في وجه طفلٍ على هيئة بسمة.
ففي زمنٍ تُثقله الحروب، لا تُقاس الانتصارات بما نُسقِط، بل بما نُبقيه حيًّا.
وإذا كانت الحرب تُعيد تشكيل العالم بالقسوة، فإن بسمةً واحدة قادرة أن تُعيد تعريفه من جديد.
لهذا لم أعد أبحث عن نهايةٍ للحكاية،
بل عن بداياتٍ صغيرة تتكرّر..
كلما ضحك طفل،
وكلما انتصر الضوء، ولو بقدرِ قلب..
#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Leave a Reply