ليلى صلاح
اليوم كان عادي في ظاهره، لكن داخلي كان مثقلًا بحاجة لا اسم لها.. تعب خفيف يشبه الضباب، لا يُرى، مرّ على جسدي. ربما لأنّي لم أنم جيدًا الليلة الماضية، قليل من الأرق تزامن مع صحوة الثالثة فجرًا..
كنت أتحرك داخل يومي كأنّي أقوم بواجب محفوظ، كل شيء في مكانه، كل شيء كما يجب.. إلا أنا، لم أكن هناك تمامًا.
لكن حصل شيء صغير، ربما لا يستحق أن يُروى، لكن سأحكيه.. وضعت موسيقى، مجرد أغنية عادية، لكنها لم تكن عادية في تلك اللحظة. رفعت الصوت قليلًا، ثم أكثر، ثم تركت نفسي..
وفجأة، كأن شيئًا انكسر بداخلي.. ليس انكسار الألم، بل كسر القيد. وجدت روحي تتحرّك مع الإيقاع بلا تفكير، بلا مراقبة، بلا صوت داخلي يسأل دائمًا: هل هذا يليق؟ هل هذا مناسب؟ هل يرانا أحد؟
ضحكت.. ضحكة خرجت من مكان قديم، مكان لم أزرُه منذ زمن.. ضحكة لا تشبه المجاملة، ولا تشبه التهذيب، لكنها تشبه الفرح بنعمة الحياة.
في تلك اللحظة شعرت أنني عدت إلى نفسي.. إلى تلك الفتاة التي كانت تعرف كيف تفرح بلا سبب، كيف تتحرّك بدون خوف، كيف تكون هي فقط.
وعندما انتهت الأغنية، هدأ كل شيء.. لكن انزرع بداخلي سؤال: من قرّر أن الفرح له عمر؟ أن الضحك يجب أن يكون صوته منخفضًا؟ وأن الرقص يجب أن يُؤجل أو يختفي أو يُبرّر؟
من أقنعنا أن الاتزان يعني كتم الطفولة داخلنا، وأنه يجب وضعها في زاوية وطلب السكوت منها كي لا يُساء فهمنا؟
تذكّرت وجوهًا أعرفها، ناس يعيشون بدقة مدهشة، كل حركة بالقلم والمسطر كأنهم يمشون على خيط.. لا يخطئون، ولا ينفلتون، ولا يضحكون إلا بقدر، ولا يفرحون إلا بحساب. شعرت بالحزن، ليس عليهم، بل على الفقد الذي لم يشعروا به.
وتذكّرت آخرين تجرأوا، تركوا روحهم للحظة، ضحكوا بصوت عالٍ، رقصوا، تكلّموا بحماس كما شعروا.. ورأيت كيف أصبحوا حكاية في أفواه الناس، مادة خفيفة للسخرية والتنمر، كأن العالم يعاقب الجرأة على أن تكون حيًا.
في تلك اللحظة الصغيرة فهمت شيئًا.. الروح لا تكبر، ما يكبر هو الخوف، الصورة، والحرص الزائد على أن نبدو كما يجب. لكن الروح تبقى قاعدة، تمد يدها وتسألنا بهدوء: هل يمكن أن نلعب قليلًا؟
ومن وقتها قرّرت ألا أؤجل نفسي، وأن أسمح للحظات الصغيرة أن تحدث دون شرح، دون تبرير، ودون خوف. لأنني فهمت أن الإنسان لا ينهار فقط من الحزن، بل أحيانًا ينهار لأنه لم يضحك بما يكفي، ولم يرقص عندما كان يحتاج، ولم يمنح روحه المساحة الصغيرة لتتذكر أنها لا تزال حية.
ورفقًا بالآخرين حين يتجرأون على عيش لحظاتهم الصادقة.. فالرقص تحت المطر ليس حكرًا على العشاق الصغار، بل حق لكل روح ما زالت تؤمن بالحياة.
#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Leave a Reply