من مرفق سيادي إلى “غنيمة” عقارية.. تجليات لعنة الموارد
محمد شريف
تُصنف “لعنة الموارد” في الاقتصاد السياسي كحالة من “المرض الهولندي” المؤسسي، حيث يؤدي الاعتماد المفرط على ريع مورد سهل ومنفصل عن العملية الإنتاجية إلى تآكل كفاءة المؤسسات وظهور صراعات خفية حول مراكز اتخاذ القرار.
يتناول هذا المقال في ثلاثة أجزاء تحول السكة الحديد من مرفق سيادي إلى غنيمة عقارية. في الجزء الثاني ننقل نماذج لتجارب دولية في استثمار أراضي السكك الحديدية، وأخيرًا في الجزء الثالث نطرح حلولًا لتحقيق أكبر عائد من استثمار أراضي السكة الحديد لتطوير المرفق.
في حالة هيئة سكك حديد السودان، نجد تجليًا فريدًا لهذه اللعنة؛ حيث لم تعد القضبان والقطارات هي المحرك المالي الوحيد، بل أصبحت “الأرض” هي المورد الاستراتيجي الأول. إن امتلاك الهيئة لمساحات شاسعة في قلب المدن الحضرية (بورتسودان، عطبرة، كسلا، الخرطوم.. إلخ) خلق واقعًا اقتصاديًا معقدًا، حيث باتت إيرادات العقارات تشكل ما يقارب 60% من الدخل الإجمالي للهيئة، وهي نسبة مرشحة للتضاعف إذا ما أُخضعت لإدارة استثمارية حديثة.
بيد أن هذا “الثراء العقاري” حمل في طياته بذور أزمة إدارية عميقة. فالمورد العقاري، بطبيعته “الريعية”، يغري مراكز القوى المختلفة بالسعي للسيطرة على مفاصل الإدارة التنفيذية، ليس بغرض تطوير حركة النقل، بل للتحكم في “سلطة التخصيص والتعاقد”. إن الصراع الحالي الذي تشهده أروقة القرار حول وضعية الإدارة العليا وتجاوز السن القانونية للتقاعد يمثل في جوهره صراعًا على “السيادة العقارية”. فعندما تغيب الضوابط الصارمة للخدمة المدنية وتتعطل المجالس الإدارية الرقابية، يتحول منصب المدير العام من موقع فني هندسي إلى “مركز قوة” يمتلك مفاتيح توزيع الامتيازات العقارية.
تتجلى الخطورة هنا في أن “لعنة العقار” تؤدي حتمًا إلى “إزاحة النشاط الأساسي”. فالمسؤول الإداري الذي يجد في عوائد الإيجارات والسمسرة العقارية حلًا سريعًا لتغطية العجز المالي سيفقد الحافز الاستراتيجي لإصلاح الخطوط المتهالكة أو الاستثمار في أنظمة الإشارات المعقدة. هذا التحول من “عقلية التشغيل” إلى “عقلية التحصيل” يخلق فجوة في الهوية المؤسسية؛ فتصبح الهيئة “وكالة عقارية” بامتياز، تقتات على أصولها التاريخية بدلًا من تنميتها عبر النقل.
علاوة على ذلك، فإن غياب الشفافية في إدارة هذا الملف يفتح الباب أمام “تسييس الأصول”. ففي ظل حالة السيولة السياسية والاضطراب الأمني، تبرز طموحات الجهات النافذة والقوى الصاعدة في الاستحواذ على استثمارات طويلة الأمد بأسعار تفضيلية، مما يفرغ الهيئة من قيمتها الرأسمالية المستقبلية. إن النزيف الحاصل في التجاوزات العقارية لا يُفقد الهيئة أموالًا فحسب، بل يُفقدها “القدرة على النمو”، حيث تضيع المساحات اللازمة للتوسعات المستقبلية للسكك الحديدية (مثل الورش والمخازن والخطوط المزدوجة) تحت وطأة المباني التجارية والاستثمارات العشوائية التي تُمنح كترضيات إدارية أو سياسية.
إن “لعنة الأرض” في سكك حديد السودان هي معركة بين “الحاضر الاستهلاكي” و”المستقبل الإنتاجي”.
#ملف_الهدف_الاقتصادي

Leave a Reply