الوظيفة العامة تحت ضغط الحرب.. قراءة في أزمة ترقيات المواصفات والمقاييس

صحيفة الهدف

 المحرر الاقتصادي

في الاقتصادات المستقرة، تُعد الترقيات أداة إدارية لتحفيز الكفاءة وإعادة توزيع الخبرات داخل الجهاز الوظيفي بما يعزز الإنتاجية ويخدم الأداء المؤسسي. أما في الاقتصادات التي تعمل تحت ضغط الحروب والاضطرابات، فإن هذه الأداة نفسها قد تتحول إلى مصدر اختلال، يعكس أزمة أعمق في بنية الدولة، تتجاوز الإدارة لتلامس الاقتصاد وتمس مفهوم العدالة الوظيفية ذاته.
في هذا الإطار، يكتسب قرار الترقيات الصادر عن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بتاريخ الأول من فبراير 2026 دلالته الخاصة، ليس فقط بوصفه إجراءً إداريًا، بل باعتباره نموذجًا لكشف طبيعة التحولات التي طرأت على إدارة الوظيفة العامة في السودان خلال فترة الحرب.
فقد شمل القرار ترقية 405 موظفين بين الدرجات من القطاع الثالث حتى الدرجة السابعة، إضافة إلى ترقية 95 موظفًا من الفنيين والإداريين بين الدرجات الثامنة حتى العاشرة، وترقية 10 سائقين من الدرجة السابعة حتى العاشرة، إلى جانب ترقية 93 درجة عمالية بين الدرجات الحادية عشرة حتى الثالثة عشرة. بذلك بلغ إجمالي عدد الذين تمت ترقيتهم 603 موظفين من أصل 1680، أي بنسبة 35.9%، مقابل 1077 موظفًا لم تشملهم الترقيات بنسبة 64.1%.
ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو تعبيرًا عن حراك إداري طبيعي، فإن الإشكالية الحقيقية تكمن في السياق والمعايير التي استندت إليها هذه الترقيات. فقد جرت العملية في فترة توصف بأنها من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الخدمة المدنية نتيجة الحرب، وهو ما انعكس على دقة البيانات وعدالة التقييم. أُشير إلى فقدان بيانات العاملين بسبب ظروف الحرب، ما استدعى جمعها لاحقًا من قبل العاملين أنفسهم، وهو ما يفتح الباب أمام إشكالات تتعلق بالموضوعية والدقة.
تعقيدات التقييم الزمني والمعياري
يزداد التعقيد عند النظر إلى الفترة الزمنية المعتمدة للتقييم، وهي عامي 2023 و2024، وهي الفترة التي شهدت ذروة الاضطراب. فقد كان عدد كبير من العاملين، خاصة في ولايات دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة، نازحين داخليًا أو خارج البلاد، أو بعيدين عن مواقع عملهم. ومع ذلك، اعتمدت هذه الفترة كأساس لكتابة التقارير السرية، رغم أن بعض العاملين لم تُكتب لهم تقارير أصلًا، بينما كُتبت تقارير لآخرين في ظروف غير طبيعية.
في بعض الحالات، كتب الرؤساء المباشرون التقارير وهم في الأصل منافسون على نفس الدرجة، كما في حالة التنافس على الدرجة الخامسة، ما يطرح إشكالية تضارب المصالح ويؤثر على مصداقية التقييم.
اختلالات في العدالة الوظيفية
كما برزت إشكالات للعاملين الذين ظلوا يؤدون أعمالهم بانتظام منذ آخر ترقية لهم في 2021 وحتى بداية 2026، بعضهم يشغل مواقع قيادية وإدارية مهمة مرتبطة بالصادرات والواردات، رغم ذلك لم تتم ترقيتهم بسبب نتائج التقارير السرية.
وفي المقابل، كُتبت تقارير سرية لبعض العاملين الذين لم يكونوا متواجدين فعليًا في مواقع العمل، أو عملوا عن بُعد، ما يطرح تساؤلات حول معايير القياس المستخدمة.
كما ظهرت أخطاء فنية في عملية التقييم نفسها، مثل تقييم العام 2024 بنسبة 50% لبعض العاملين الذين عملوا خلال 2023 ونصف 2024، وهو إجراء وُصف بغير الصحيح ويعكس قصورًا في فهم آليات التقييم لدى بعض المسؤولين في ديوان شؤون الخدمة داخل الهيئة.
بدائل أكثر عدالة
يرى بعض العاملين أن الهيئة كان بإمكانها اعتماد بدائل أكثر عدالة، مثل:
– إجراء الترقيات دون الاعتماد على التقارير السرية في هذه الظروف الاستثنائية.
– تأجيل الترقيات إلى حين استقرار الأوضاع.
– الاعتماد على معايير أخرى كالمؤهل العلمي، أقدمية التعيين، وأقدمية الدرجة، خصوصًا أن هذه العناصر تشكل 30% فقط من معايير الترقية مقابل 70% للتقارير السرية.
إشكالية التظلمات ودور النقابات
تعقدت الأزمة بسبب تعطيل التظلمات؛ فقد طلب بعض الموظفين الذين لم تشملهم الترقيات تقديم تظلمات عبر مديريهم المباشرين، لكن ديوان شؤون الخدمة وجه برفض استلامها، مطالبًا بتوجيهها إلى الجهات الوزارية المختصة، رغم أن الترقيات نفسها لم تُجيز بعد. هذا يخلق خللًا إداريًا واضحًا، إذ إن التسلسل الإداري يجب أن يمر من الرئيس المباشر إلى المستويات الأعلى قبل الوصول إلى الوزير.
كما غاب دور النقابة الفعّالة، حيث لا تمثل العاملين تمثيلًا حقيقيًا، ولا تتبنى قضاياهم، ما يترك العاملين دون مظلة تنظيمية تحمي حقوقهم.
الأبعاد الاقتصادية
اقتصاديًا، تتجاوز هذه القضية حدودها الإدارية لتلامس كفاءة الجهاز المؤسسي للدولة، خاصة أن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس تلعب دورًا مهمًا في تنظيم حركة السلع والصادرات والواردات. أي اختلال في العدالة الوظيفية داخلها ينعكس على الأداء، ويؤثر على الإنتاجية، ويضعف الحافز لدى الكوادر العاملة، وهو ما يشكل تكلفة غير مباشرة على الاقتصاد الوطني.
الخلاصة
تُظهر هذه الحالة تحول الوظيفة العامة تحت ضغط الحرب من نظام تحكمه معايير مؤسسية واضحة، إلى نظام يتأثر بالظروف الاستثنائية، حيث تختل أدوات القياس، وتضعف آليات العدالة، ويتراجع دور المؤسسات الوسيطة مثل النقابات وقنوات التظلم.
إعادة النظر في الترقيات، سواء عبر مراجعة معاييرها، أو فتح باب التظلمات، أو اعتماد أسس أكثر موضوعية، ليس مطلبًا وظيفيًا فحسب، بل ضرورة لإعادة التوازن إلى أحد أهم مكونات الدولة: جهازها الإداري.
فالعدالة في الوظيفة العامة ليست امتيازًا، بل شرط لبقاء الدولة نفسها في أزمنة الأزمات.

#ملف_الهدف_الاقتصادي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.