*أحمد محمود أحمد*
ضمن الندوة التي خاطب فيها قائد الدع.م السريع مجموعة من السودانيين في العاصمة اليوغندية كمبالا في فبراير المنصرم فقد ردد شعار( أنا سوداني أنا إفريقي) وردد معه الذين حضروا تلك الندوة ذلك الشعار بحماس كبير..ولقد ذكر قائد الدع.م السريع أنهم قد خلعوا( الطاقية) التي تم الباسها لهم دون الذهاب أكثر لتوضيح ماهية هذه (الطاقية) والمقصود بها هنا الثقافة العربية حيث تتحول الثقافات إلى ( طواقي) يمكن خلعها وقت ما أراد الشخص ذلك، وهنا تصبح ( الطاقية الإفريقية) هي التي تعبر عن قائد الدع.م السريع عبر هذه المرحلة، الذي قد لبس من قبلها عمامة الإسلاميين. ولقد برز قائد الدع.م السريع بزي إفريقي جميل في العاصمة اليوغندية، تماشيًا مع فكرة الخلع هذه، ولكنه عندما خاطب مجموعة من السودانيين فلم يخاطبهم بأية لغة أو لهجة إفريقية، بل تحدث بلغة عربية سودانية، حيث وضمن منظور عام يستطيع الإنسان خلع اللباس لكن خلع الثقافة لا يتم عبر الشكل لأنها ترتبط بعوامل متشابكة ومترابطة وأهمها اللغة، التي يقول عنها هايدغر أنها بيت الكائن ..هذا التحول الذي حدث لقائد الدع.م السريع يأتي مترابطًا وصعود خطاب الإفريقانية عبر العقود الأخيرة في السودان..هذا المقال يبحث عن جذور صعود هذا الخطاب وأسبابه حيث أن الفرضية التي يتبناها هذا المقال تقول الآتي: إن تصاعد خطاب الإفريقانية ليس تحولًا ثقافيًا عميقًا، بل هو تعبير عن أزمة الدولة الوطنية، كيف؟؟؟
*أسباب تصاعد خطاب الإفريقانية*
قبل أن نبحث في جوهر الأسباب التي أدت إلى تنامي خطاب الإفريقانية يجب أن نبحث قبل ذلك حول ماهية هذا الخطاب وإلى ماذا يرمي؟ فهل يرمي إلى إفريقانية ثقافية، التي قد تعني إعادة الاعتبار للثقافات المحلية غير العربية؟ أم هي إفريقانية سياسية أو خطاب مضاد للعروبة في السودان، وإذا كان كذلك، فهل يتجاوز هذا الخطاب ثنائية عرب/ أفارقة أم يعيد إنتاجها وبصورة معكوسة؟ أخيرًا، هل هي إفريقيانية جيوسياسية تسعى لإعادة توجيه البوصلة نحو الفضاء الإفريقي بديلًا للمجال العربي؟ هذه الأسئلة تعتبر مهمة في مضمار الحديث عن الهوية في السودان حيث أن السؤال الأول يرتبط بتمكين المجموعات غير عربية أو التي ترى نفسها أنها ليست عربية، أن تعبر عن ذاتها داخل الدولة والتعبير عن ثقافاتها دون حجر من أحد فإن هذا اتجاه يتبناه كل الحريصين على بناء الدولة السودانية دون أن يكون ذلك خطاب مزايدة ونفي لمجموعات أخرى تحت مفهوم الهيمنة..أما إذا كان الأمر يرتبط بثنائية عرب وأفارقة وبالتالي اتخاذ موقف ضدي تجاه العروبة في السودان فإن هذه الثنائية هي الثنائية القاتلة، التي استخدمها نظام الإسلاميين وأدت للح.رب في دارفور وإلى انفصال الجنوب، وبالتالي فإن الذين يستخدمونها وضمن خطاب الإفريقانية فإنهم يذهبون بذات الاتجاه دون ما أساس أو رؤية تستوعب جدل التنوع، الذي لا يمكن أن ينمو إلا في إطار الوحدة الوطنية الصحيحة، ومن هنا فإن وضع الإفريقانية كاتجاه مقابل للعروبة سوف يعيد إنتاجها وبصورة معكوسة وهذا يتطلب استعادة التفكير في ثنائية عرب/ أفارقة انطلاقًا من فكرة أن التناقض بين هذه الثنائية لا يدعمه التاريخ حيث أن إفريقية السودان تأتي مرتبطة بعروبته كمجال تفاعل حيوي أنتج الشخصية السودانية. أما إذا كانت الإفريقانية تعني توجيه البوصلة نحو إفريقيا وبعيدًا عن العرب فإن هذا وضمن بعد استراتيجيي يضر بمصالح السودان، فالسودان يمكن أن يتوجه عربيًا وإفريقيًا وهذه ميزة جغرافية السودان..بعد مناقشة هذه الأسئلة يمكن أن نقول أن خطاب الإفريقانية ومنذ البدء كان ردة فعل لفشل بناء الدولة وليس بحثًا عن هوية مغايرة من حيث الجوهر، أي أنه خطاب سياسي ظرفي تشكل عبر سيطرة بعض العناصر المنتمية للثقافة العربية على السلطة عبر المرحلة التي أعقبت خروج الاستعمار البريطاني من السودان، وأن كان الخلل قد وقع على كل الفئات السودانية، إلا أن بعض المناطق وفي الأطراف قد تضررت أكثر من خلال حرمانها من التنمية وبشكلها النسبي، وقد عبرت الحركات التي نشأت في هذه الأطراف عن رفضها على ما أطلقت عليه الهيمنة للمركزية العربية- الإسلامية..وهذا التوصيف هو توصيف عمومي لا يحدد الأسباب بدقة حيث أن الثقافة العربية في السودان تعتبر هي الرابط بين غالبية المجموعات القاطنة في هذه الدولة.. وبالتالي فإن المركزية المقصودة هنا تشكلت عبر حكم القوى التقليدية والعسكرية والرجعية للسودان، التي قد ضاق أفقها للنظر للسودان كدولة متعددة إثنيًا ودينيًا، وقد تبنت خطابًا أحاديًا، أضر بمشروع الدولة الوطنية التي تحترم الخصوصيات وتستوعب مفهوم جدل التنوع والوحدة…من هذه المنطلقات فإن السؤال المهم، الذي يتجاوز كافة الأسئلة السابقة هو: كيف نعيد بناء الدولة السودانية متجاوزين كل الثنائيات حيث تصبح الإفريقانية كخطاب ضدي، متحولًا من إفريقية شكلية إلى سودانية وطنية تستوعب جدل العروبة والإفريقية وتؤسس لتغيير في المفاهيم أولًا ومن ثم تؤسس لإعادة البناء الوطني على أسس تراعي الاختلافات الثقافية والدينية وتفتح باب التعايش بين كل المكونات..

Leave a Reply