أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
تمثل كلمة الهدف الصادرة عن حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) قراءة سياسية للأزمة السودانية في لحظة بالغة الحساسية من تاريخ القطر، حيث تتداخل الح.رب الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية. وتأتي هذه الكلمة في سياق القرار الأمريكي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كتنظيم إره.ابي، وهو قرار يتجاوز في دلالاته البعد القانوني ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الأزمة السودانية، وحدود المسؤولية الداخلية عنها، ودور القوى الدولية في توجيه مساراتها. ومن هذا المنطلق تحاول كلمة الهدف تقديم قراءة متوازنة تربط بين جذور الأزمة داخل الدولة السودانية وبين توظيفها في سياق التفاعلات الجيوسياسية الأوسع.
ومن خلال هذه القراءة تطرح (كلمة الهدف) فكرة مركزية يمكن تلخيصها في أطروحة واضحة: إن مستقبل السودان لا تحدده التصنيفات الدولية بقدر ما تحدده الإرادة الشعبية الوطنية.
أولاً: المسؤولية التاريخية للأزمة السودانية: تنطلق (كلمة الهدف)، من تحليل لدور الحركة الإسلامية السياسية في السودان، وخاصة خلال فترة حكمها الطويلة. وتشير إلى أن الأزمة الراهنة ليست نتاج الح.رب الجارية وحدها، بل هي نتيجة بنية سياسية واقتصادية تشكلت عبر عقود.
وتستخدم (كلمة الهدف)، توصيفاً دقيقاً لهذه القوى، فتشير إليها بـ (فلول النظام السابق بمختلف مسمياتها وواجهاتها)، متجاوزاً بذلك الاختزال الأيديولوجي الضيق، ومعترفاً بأن الظاهرة تتجاوز التنظيم الواحد إلى شبكة من المصالح والمؤسسات الموازية التي تشكلت عبر عقود. ووفقاً (لكلمة الهدف)، توصيف (فلول النظام السابق) بدقة، لأنه يشمل لا فقط التنظيم السياسي للإخوان المسلمين، بل أيضاً الشبكات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تشكلت حوله على مدى عقود. هذا التوصيف يتجاوز الاختزال الأيديولوجي إلى فهم سوسيولوجي أعمق للظاهرة.
في هذا السياق طرحت كلمة الهدف مفهومًا محوريًا هو سياسة التمكين. وهو مفهوم يشير إلى محاولة إعادة تشكيل الدولة عبر إخضاع مؤسساتها المختلفة لهيمنة تنظيم سياسي بعينه. من الناحية النظرية يؤدي هذا النوع من السياسات إلى ما يسميه علماء السياسة تسييس الدولة أو الحزبية المؤسسية، حيث تتحول مؤسسات الدولة من أدوات لخدمة المجتمع إلى أدوات لخدمة التنظيم الحاكم. فـالتمكين هو الاستراتيجية الشاملة الهادفة إلى إعادة تشكيل الدولة، والمؤسسات الموازية هي إحدى أدواته الرئيسية، حيث تم إنشاء كيانات أمنية واقتصادية خارج إطار الدولة الرسمي لتكون بمثابة (دولة داخل دولة)، مما أدى إلى إضعاف المؤسسات الوطنية وتفكيك تماسك المجتمع. وعندما يحدث ذلك تظهر ظواهر متعددة مثل: (ضعف استقلالية المؤسسات، وانتشار الفساد الزبائني، وتراجع الكفاءة الإدارية، وتآكل شرعية الدولة). ولهذا ترى (كلمة الهدف)، أن تجربة الحكم التي قادتها الحركة الإسلامية في السودان أسهمت في إضعاف الدولة الوطنية وفي خلق مؤسسات موازية في المجال الأمني والعسكري والاقتصادي، وهو ما أدى في النهاية إلى تعقيد الأزمة الوطنية.
ولم تقتصر آثار هذه السياسات على المجال السياسي والمؤسسي، بل امتدت أيضاً إلى البنية الاقتصادية للدولة. فقد أدى تسييس الاقتصاد وارتباطه بشبكات الولاء السياسي إلى إضعاف الإنتاج الوطني وتفكيك المؤسسات الاقتصادية العامة، وهو ما ساهم في تعميق الأزمات المعيشية وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية. ومع اندلاع الح.رب تفاقمت هذه الاختلالات، حيث تعرضت قطاعات واسعة من الاقتصاد للتدمير أو التعطيل، الأمر الذي جعل الأزمة السودانية أزمة دولة شاملة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ثانياً: الإرادة الشعبية كقوة تاريخية: رغم هذا التشخيص النقدي، لا تقدم (كلمة الهدف)، صورة تشاؤمية للمجتمع السوداني، بل تؤكد على دور الشعب السوداني بوصفه فاعلًا تاريخيًا قادرًا على تصحيح المسار السياسي. ويستند هذا التفسير إلى تجربة انتفاضة ديسمبر 2018 التي أدت إلى سقوط النظام السياسي للحركة الاسلاموية. من منظور فلسفة التاريخ يمكن النظر إلى هذه الانتفاضة بوصفها لحظة تجلت فيها قدرة المجتمع على استعادة المبادرة السياسية. فالانتفاضات الشعبية في التاريخ غالبًا ما تظهر عندما تصل الأنظمة السياسية إلى درجة من الجمود تجعلها غير قادرة على الاستجابة لمطالب المجتمع. وعند هذه النقطة تتحول الاحتجاجات الاجتماعية إلى حركة تغيير تاريخية.
في الحالة السودانية تربط (كلمة الهدف)، هذه الانتفاضة بسلسلة تاريخية من الحركات الشعبية التي شهدها السودان، مثل انتفاضة أكتوبر 1964. وهذا الربط يحمل دلالة مهمة، إذ يشير إلى أن الاحتجاج السياسي السلمي أصبح جزءًا من الثقافة السياسية السودانية.
ثالثاً: القرار الأمريكي في سياق الجغرافيا السياسية: لا تتوقف (كلمة الهدف)، عند تحليل الأزمة الداخلية، بل تنتقل إلى قراءة القرار الأمريكي ضمن سياق أوسع يتعلق بتوازنات القوة في النظام الدولي. ففي العلاقات الدولية كثيرًا ما تستخدم الدول الكبرى أدوات مختلفة للتأثير في الأوضاع السياسية داخل الدول الأخرى، مثل:( العقوبات الاقتصادية، والتصنيفات السياسية، والدعم الدبلوماسي أو العسكري لأطراف معينة)، ومن هذا المنظور ترى (كلمة الهدف)، أن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات الجيوسياسية في المنطقة. فالولايات المتحدة، كغيرها من القوى الكبرى، كثيراً ما توظف أدوات مثل العقوبات الاقتصادية أو قوائم التصنيف السياسي ضمن استراتيجياتها الأوسع لإدارة التوازنات الإقليمية. ولذلك فإن توقيت القرار وسياقه يرتبطان أيضاً بالتوترات القائمة في الشرق الأوسط، وبالصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى إعادة تشكيل موازين القوى في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وهذا التحليل يعكس رؤية نقدية للعلاقات الدولية ترى أن القرارات الصادرة عن القوى الكبرى غالبًا ما تكون مرتبطة بمصالحها الاستراتيجية أكثر من ارتباطها بالاعتبارات القانونية أو الأخلاقية.
رابعاً: الحذر من القراءة العاطفية للأحداث: من النقاط اللافتة في (كلمة الهدف)، دعوتها إلى تجنب ردود الفعل العاطفية تجاه القرار الأمريكي. فبدلًا من التعامل معه بوصفه انتصارًا سياسيًا على جماعة الإخوان المسلمين، تدعو (كلمة الهدف)، إلى قراءة أبعاده الاستراتيجية. هذا الموقف يعكس فهمًا مهمًا في الفكر السياسي، وهو أن السياسة لا تُدار بالانفعالات بل بالتحليل. فالقرارات الدولية قد تحمل آثارًا غير متوقعة، وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى تعقيد الأزمات بدلًا من حلها. ولهذا تشدد (كلمة الهدف)، على ضرورة دراسة النتائج المحتملة لمثل هذه القرارات، خاصة في ظل الحرب الجارية في السودان وما يمكن أن تتركه من تداعيات على مستقبل الدولة والمجتمع.
وتلفت كلمة الهدف الانتباه إلى خطر(الغبائنية)، وهو تعبير سوداني أصيل يعني الشماتة أو الفرح بمصيبة الآخر. فالانتصار على الخصوم السياسيين عبر قرار خارجي لا يمثل انتصاراً حقيقياً للشعب، بل قد يكون فخاً جديداً يعيد إنتاج التبعية. هذا التنبيه المبكر يحذر القوى السياسية من استبدال الاستقلال الوطني بلحظة انتقام عاطفية عابرة.
خامساً: الحل الوطني للأزمة: في القسم الأخير من (كلمة الهدف)، يطرح حزب البعث رؤية للحل تقوم على مبدأ أساسي هو الاستقلال الوطني في معالجة الأزمات. فالأزمة السودانية، بحسب هذه الرؤية، لا يمكن حلها عبر تدخلات خارجية أو عبر قرارات تصنيف تصدر من الخارج، بل عبر عملية سياسية داخلية تعالج جذور الأزمة. وقبل كل هذه العناصر، تضع (كلمة الهدف) وقف الح.رب كأولوية مطلقة، ليس فقط لوقف نزيف الدماء والمعاناة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين (نازحين، لاجئين، جائعين)، بل لأن استمرار الحرب يعيد إنتاج الفراغ الذي تستغله التدخلات الخارجية. فالحرب هي أم كل الأزمات، ووقفها شرط لإعادة بناء أي شيء. وتشمل هذه العملية عدة عناصر:
1. وقف الح.رب.
2. بناء مسار مدني ديمقراطي.
3. تحقيق العدالة الاجتماعية.
4. إعادة بناء مؤسسات الدولة.
5. ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية.
هذه العناصر تشكل في مجموعها تصورًا لدولة مدنية حديثة تقوم على سيادة القانون والمشاركة السياسية.
سادساً: معنى السيادة الشعبية: تنتهي (كلمة الهدف)، بتأكيد فكرة محورية مفادها أن الشعب السوداني هو صاحب القرار في تحديد مستقبل بلاده. وهذه الفكرة ترتبط بمفهوم أساسي في الفكر السياسي الحديث هو مفهوم السيادة الشعبية. فوفق هذا المفهوم لا تستمد السلطة السياسية شرعيتها من القوة أو من التدخل الخارجي، بل من إرادة المواطنين أنفسهم. وعندما تتمكن المجتمعات من التعبير عن هذه الإرادة عبر مؤسسات ديمقراطية مستقرة، تصبح قادرة على إدارة أزماتها وبناء مستقبلها بصورة مستقلة.
خاتمة: يمكن القول إن (كلمة الهدف)، تقدم قراءة مركبة للأزمة السودانية تجمع بين النقد الداخلي للتجربة السياسية السابقة والتحليل الخارجي لطبيعة النظام الدولي. وهو بذلك تحاول أن توازن بين الاعتراف بالأخطاء التي أسهمت في إضعاف الدولة السودانية وبين التحذير من تحويل هذه الأخطاء إلى مدخل لتدخلات خارجية قد تزيد الأزمة تعقيدًا. وتختتم كلمة الهدف بدعوة عملية هي الأهم: تشكيل (أوسع جبهة شعبية للديمقراطية والتغيير ( لتكون الإطار الجامع للقوى السياسية والاجتماعية القادرة على وقف الح.رب وبناء الدولة. هذه الدعوة تنتقل بالتحليل من دائرة التنظير إلى دائرة الفعل، وتضع اختباراً حقيقياً أمام القوى الوطنية: هل تستطيع تجاوز انقساماتها لبناء جبهة عريضة قادرة على إنقاذ السودان؟
في النهاية تقدم (كلمة الهدف)، رسالة سياسية واضحة مفادها أن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى عبر قرارات تصدر من الخارج، مهما كانت دوافعها أو مبرراتها، بل عبر قدرة السودانيين أنفسهم على بناء مشروع وطني جامع يعالج جذور الأزمة ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية. فالإرادة الشعبية، عندما تتحول إلى فعل سياسي منظم، تبقى القوة التاريخية الوحيدة القادرة على حماية السيادة الوطنية وصناعة مستقبل مستقر للبلاد.

Leave a Reply