أبناء قابيل.. وأبناء آبستين!

صحيفة الهدف

نيالاو آيول

قابيل، أول إنسانٍ في الأرض، أسرع والتقط حجرًا وخبط به رأس هابيل، وبعدها توالت الأحداث وسط ذهول القلّة القليلة في ذلك الزمان.. ثم اكتشف أبناء قابيل وأحفاده أن الحجر أسرع من الحوار في إنهاء المشاكل، وأن الدم أفضل وسيلة لقفل المواضيع الشائكة المعقّدة.
ثم مرّت القرون، وظهرت نظريات التطوّر والنشوء والارتقاء.. ولكن جينات قابيل تحوّرت وتحوّلت ولم تختفِ طيلة هذه القرون. فتعلّم أحفاده أن يطوّروا الفكرة؛ فلم يعد القتل بحجرٍ في الحقول أو المزارع تحت شجرةٍ تسكنها الغربان، بل أصبح القتل يُصاغ بابتسامةٍ في القصور، أو البرلمانات، أو الكونغرسات “جمع كونغرس”، أو حتى في جزيرةٍ نائيةٍ مملوكةٍ لشخصٍ اسمه آبستين، وله أبناء كُثر.. أكثر مما نتخيّل.
الفرق أن أبناء قابيل من نسله، وأن قابيل قتل أخاه بدافع الغيرة، أمّا أبناء آبستين فقتلوا البراءة بدافع النفوذ. لم يكن قابيل يملك طائرةً خاصة، ولا جزيرةً مخفيّةً خلف زرقة الأطلسي، ولا دفتر مواعيد مليئًا بأسماءٍ لامعة، من بينها “البلطجي البرتقالي”.
قابيل كان يملك حجارة، اختار من بينها الحجر الأقوى ليخبط به هابيل في رأسه. كان قابيل بسيطًا.. غضب، رفع حجرًا.. وانتهى الأمر.
أمّا آبستين، فأبناؤه ليسوا أطفالًا يحملون اسمه؛ إنهم رجالٌ أنيقون يربطون كرافتة المال بعنق السياسة.
قابيل كان واضحًا في جريمته.. وخاف من الله. أمّا أبناء آبستين فيرتدون بدلاتٍ رسمية، ويحاضرون عن الأخلاق، ويتبرّعون للمستشفيات، ثم يغتصبون البراءة بدمٍ بارد.
تطوّر أبناء قابيل وتحوّروا إلى أبناء آبستين. المأساة أنهم تطوّروا في كل شيء.. إلا في الضمير.
الشر لا يحتاج أن نؤيّده؛ يكفي أن نتأقلم معه.. فيكبر تحت ظل اللا مبالاة!
وهكذا..
في البدء كان الشر حجرًا، ثم صار نظامًا، ثم صار ثقافة، ثم صار مادةً للأخبار في المساء، ونسيانًا في الصباح.
في داخل كل واحدٍ منا بذرةُ وراثةٍ صغيرةٌ من قابيل، تنتظر لحظة ضعف، لتقنعنا أن الحجر أخفُّ من الرحمة!
“بالمناسبة: (أبناء آبستين) مصطلح من اختراعي”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.