- “الشعر مسؤولية، والكلمة شهادة.. والصمت أحياناً بلاغة”
- “القصيدة آخر ما يبقى حين يضيق كل شيء، وأول ما ينهض حين يبدأ الضوء من جديد”
- “أسئلتي عن العدل والحرية والكرامة ترافقني منذ بداياتي، وتزداد عمقاً مع الزمن”
- “ثورة ديسمبر لم تكن شعاراً سياسياً فقط، بل تجربة إنسانية عميقة شكّلت منعطفاً حاداً في وعيي”
- “الكلمة الصادقة تحرس الوعي.. والقصيدة آخر ما يبقى حين يضيق كل شيء”

حوار: د. نائل اليعقوبابي
في هذا الحوار يتم تسلّيط الضوء على تجربة الشاعر عبد الإله زمراوي، أحد الأصوات الشعرية الراسخة في المشهد الأدبي المعاصر. وُلد زمراوي في كرمة البلد شمال السودان عام 1959م، ونشأ في بيئة ريفية غنية بالقصص والحكايات الشعبية، حيث نهل من حكمة الأجداد وحنان الجدّات، ومن طبيعة النيل ورعي الأغنام معنى الصبر والمثابرة.
درس في جامعة الخرطوم، ثم واصل دراسته في الخارج، وعمل في السلك القضائي قبل أن يغادر السودان في أوائل التسعينيات، مستقراً في كندا ضمن منفى اختياري. صدرت له عدة دواوين، منها: (سيوف الجفون) (1986)، و(صهوة العمر الشقي) (2007)، و(أغنيات الليل) (2008)، و(طبل الهوى) (2010)، و(دمعتان على الوطن) (2012)، و(القمر الحزين) (2013)، وقد تميّز شعره بعمق إنساني وقدرته على المزج بين الغربة والحنين، والثورة والوعي الاجتماعي.
هذا الحوار يكشف رحلة وعي الشاعر، محطات تطوّره الشعري، علاقته بالمكان والزمن، وتأثير الخبرات الحياتية على تكوين صوته الإبداعي، بحيث يصبح كل ديوان محطة جديدة في مسار تجربة واحدة تجمع بين التجربة الفردية والجماعية، بين الانفعال العاطفي والتأمل الوجودي.
- بدايةً كيف تقدّم سيرتك الذاتية الشعرية للقارئ؟ وما المحطات الأساسية التي شكّلت وعيك الإبداعي والإنساني؟ ولدت في كرمة، التي علّمتني أن النخلة لا تنحني إلا لتعود أشد صلابة. نهلت من أجدادي الحكمة، ومن الجدّات الحنين، ومن رعي الأغنام الصبر، ومن النيل معنى الجريان رغم العوائق، ومعنى البقاء رغم تغير الفصول. غادرت القرية صغيراً، لكنني لم أغادرها روحاً. في الجامعة بدأت كتابة الشعر بالعربية الفصحى؛ نصوص بسيطة عن الطبيعة والمحبوبة والدهشة الأولى. غير أن الحياة، بمسؤولياتها، وصدامها المتكرّر مع السلطة، والمنفى، واختباراتها الأخلاقية، وسّعت أسئلتي، وجعلت القصيدة عندي ليست بوحاً عاطفياً فحسب، بل محاولة لفهم الإنسان في ضعفه وقوته، وموقفاً وجودياً وأخلاقياً في آنٍ واحد.
- كيف تعرف تجربتك الشعرية اليوم: تطوّراً في الرؤية أم تعميقاً لأسئلة قديمة؟
أراها تعميقاً لأسئلة صاحبتني منذ البدايات: العدل، الحرية، الكرامة، والمصير الإنساني. لم أبدّل أسئلتي بقدر ما تعلّمت النظر إليها من زوايا أهدأ وأنضج، واحتمال تعقيدها دون استعجال الإجابات. كل ديوان كان مرحلة من الوعي: من الحلم الرومانسي الأول إلى التأمل الوجودي، ومن الغنائية المباشرة إلى التكثيف الرمزي، ومن الانفعال اللحظي إلى التأمل البعيد.
- ما العوامل الأولى التي أسهمت في تشكيل صوتك الشعري، وما الذي بقي منها حتى اللحظة؟
البيئة الريفية كانت النبع الأول: الطبيعة، المواسم، الإيقاع الخفي للحياة البسيطة. ثم درست علم العروض الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي، فأيقظ في داخلي احتراماً عميقاً للكتابة العروضية والتفعيلة. أما التجربة القضائية فقد علّمتني الدقة، والإنصات، والتمييز بين الحقيقة والادعاء، وبين العدالة والشعار. بقي من كل ذلك الإيمان بأن الكلمة مسؤولية، وأن الشعر شهادة لا زينة، وأن الصمت أحياناً جزء من البلاغة.
- تميل قصيدتك إلى التكثيف والهدوء التأملي، كيف تنظر إلى علاقتك بقصيدة النثر؟
قصيدة النثر منحتني حرية التأمل الداخلي دون صخب إيقاعي ظاهر. لم أتعامل معها كقطيعة مع التراث، بل كامتداد له بروح معاصرة، حيث يبقى الحس الموسيقي داخلياً حتى لو غاب الوزن الظاهر. التكثيف عندي ليس خياراً جمالياً فحسب، بل ضرورة أخلاقية: أبحث عن الجملة التي تقول أقل ما يمكن من الكلمات، وأكثر ما يمكن من المعنى، وتترك للقارئ مساحة ليشارك في اكتمال النص.
- صدر لك ديوان (دمعتان على الوطن)، ما دلالته وما مزاجه العام؟
ديوان (دمعتان على الوطن) كتب في لحظة احتدام داخلي بين الأمل والانكسار؛ والدموع فيه ليست ضعفاً، بل فعل اعتراف ووعي بحجم الفقد. مزاجه العام حزين، لكنه حزن واقف لا يستسلم. هو محاولة لحفظ كرامة الوطن بالكلمة حين تهدر في الواقع، وقول الحقيقة بهدوء لا بصراخ.
- الإحساس بالعجز وسرقة الوطن في الديوان: ذاتي أم إنساني أشمل؟
هو إحساس شخصي في جذره، لكنه يتجاوز التجربة الفردية. الغربة قد تكون خارج الوطن، وقد تكون داخله. وعندما يُختطف الوطن من أبنائه، يصبح الألم جماعياً، ويغدو السؤال أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً. كتبت هناك بوعي الفرد، لكن بوجدان الجماعة، وبقلق الإنسان الذي يخاف على المعنى لا على المكان فقط.
- ثنائية الألم والجمال: هل الشعر مقاومة أم نجاة؟
الشعر عندي مقاومة داخلية أولاً، لأنه يحفظ المعنى من التشويه، ويمنع القبح من أن يصبح طبيعياً. وهو نجاة، لأنه يمنح الروح قدرة على الاحتمال، ويحوّل الألم إلى طاقة خلّاقة. الألم مادة خام، والجمال هو طريقته في التحوّل إلى معنى.
- هل دواوينك مشروع واحد أم عوالم مستقلة؟
أراها مشروعاً واحداً في جوهره: الدفاع عن الإنسان، والبحث عن العدالة والجمال في زمن مضطرب. من (سيوف الجفون) إلى (القمر الحزين)، ثم إلى ما أعمل عليه الآن، هناك خيط داخلي واضح: الإصرار على أن تكون الكلمة موقفاً. لكن لكل ديوان زمنه النفسي وأفقه الخاص، كأنها محطات في سيرة واحدة تتبدّل فيها الملامح ويبقى الجوهر.
- كيف تطوّرت لغتك الشعرية؟
انتقلت من المباشرة والغنائية الواضحة إلى التكثيف والرمز. صارت الصورة أكثر هدوءاً، واللغة أكثر شفافية، وأصبحت أميل إلى الصمت داخل النص بقدر ميلي إلى الكلام. تعلمت أن الصمت أحياناً أبلغ من الكلام، وأن البياض جزء من القصيدة لا يقل أهمية عن الحبر.
- كيف انعكست تجربة ثورة ديسمبر وما تلاها في شعرك؟
ثورة ديسمبر شكّلت منعطفاً حاداً في وعيي. لم أكتبها كشعار سياسي، بل كتجربة إنسانية عميقة: أمل عظيم أعقبه انكسار، ثم إصرار جديد على الحلم رغم الخراب. الح.رب والنزوح والمنفى لم تكن موضوعات خارجية، بل تحوّلت إلى قلق وجودي داخل النص، وسؤال مفتوح عن مصير البلاد والإنسان، وعن معنى الثبات في زمن الانهيار.
- كتاباتك النثرية والمقالات: امتداد أم فضاء مختلف؟
هي امتداد للروح نفسها، لكنها تستخدم أدوات مختلفة. المقالة مساحة للوضوح والتحليل والمساءلة المباشرة، أما الشعر فمساحة للتأمل والحدس والرمز. كلاهما يصدر عن الحس الأخلاقي ذاته، وعن الرغبة في قول الحقيقة بأكثر من لغة.
- علامَ تعمل حالياً؟
أعمل على ديوان جديد بعنوان (قلادتان من الهوى)، أشعر أنه أكثر صفاءً وأقرب إلى الروح؛ أقل احتجاجاً مباشراً، وأكثر انشغالاً بالمعنى الداخلي، بالحنين، وبفكرة الوفاء للذاكرة وللشهداء. إنه محاولة للكتابة من داخل الجرح، لا من على حافته، وهو تحت الطبع قريباً. كما أستعد لإصدار النسخة الإنجليزية بعنوان Night Songs في ملبورن، أستراليا، وقد تولّى صديقي خالد عثمان، صاحب صحيفة (المهاجر)، الترجمة، وتم إنجاز الغلاف. وأذكر أن ديواني الأول (سيوف الجفون) طُبع بـ(مطابع الجزيرة) عام 1988م، لكن للأسف لا أملك نسخة منه اليوم.
- كلمة أخيرة..
أؤمن أن الكلمة الصادقة قد لا تغير العالم فوراً، لكنها تحرس الوعي من الانهيار. إذا فقدنا القدرة على الشعر، فقدنا القدرة على الحلم، وإذا فقدنا الحلم استسلمنا للقبح. والقصيدة، في نظري، آخر ما يبقى حين يضيق كل شيء، وأول ما ينهض حين يبدأ الضوء من جديد.

Leave a Reply