تقرير: مجدي علي
كشف تقرير حديث صادر عن (المرصد السوداني للشفافية والسياسات) عن تحوّل مقلق في خريطة تجارة المخدّرات بالبلاد، إذ لم يعد السودان مجرّد ممر لعبور شحنات المخدّرات العابرة، بل بدأ تدريجيًا يتحوّل إلى مركز ناشئ لإنتاج مخدّر الكبتاغون. ويعزو التقرير هذا التحوّل إلى انهيار مؤسسات الدولة وامتداد اقتصاد الحرب، عوامل وفّرت بيئة مناسبة للشبكات الإجرامية لاستغلال الفراغ الأمني والانقسام السياسي ونقل عملياتها إلى الداخل السوداني.
آثار النزاع
ويستند التقرير إلى مؤشرات ميدانية لافتة، منها تزايد عمليات ضبط المخدّرات خلال الفترة الأخيرة، حيث صُودِر نحو نصف طن من المواد المخدّرة في ولاية البحر الأحمر خلال يناير 2026، أغلبها من مادة الميثامفيتامين، كما أن تمركز بعض الضبطيات قرب ميناء بورتسودان يعكس أهمية الساحل السوداني في مسارات التهريب، ويشير إلى احتمال تحوّل البلاد إلى نقطة تصدير رئيسية نحو أسواق الخليج وربما أبعد، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر.
التقرير يشير إلى أن الحرب الدائرة في السودان أسهمت بصورة مباشرة في تهيئة الظروف لانتعاش تجارة المخدّرات، إذ أدى النزاع المستمر إلى إضعاف أجهزة إنفاذ القانون وتعطيل المختبرات الجنائية وتوقف وحدات مكافحة المخدّرات في مناطق واسعة من البلاد، كما زادت عمليات اقتحام السجون في كوبر وسوبا وبعض مناطق دارفور من تعقيد المشهد بعد هروب عدد من المدانين بقضايا المخدّرات، الأمر الذي صعّب ملاحقة الشبكات الإجرامية وعقّد جهود المكافحة.
ولا يقتصر المشهد على الكبتاغون وحده، إذ يشير التقرير إلى انتشار أنواع أخرى من المخدّرات في السوق السودانية، فـ(البنقو) أو القنب السوداني لا يزال الأكثر تداولًا بسبب انخفاض تكلفته وسهولة زراعته، خصوصًا في مناطق مثل الردوم جنوب دارفور، بينما يظهر (الشاشمندي) القادم من إثيوبيا بين أوساط الشباب لسهولة تداوله، أما (الكريستال ميث) أو الآيس فقد بدأ ظهوره في السنوات الأخيرة عبر البحر الأحمر، مما يعزّز المخاوف من تحوّل السودان إلى نقطة إنتاج وعبور في آن واحد، كما ازدادت حالات تداول الترامادول والحشيش في المدن الكبرى مثل الخرطوم وأم درمان وبورتسودان، خصوصًا بين فئات الشباب الباحثين عن تعويض الفقر والبطالة بنشوة مؤقتة.
اقتصاد الحرب
ويربط المرصد بين توسّع تجارة المخدّرات و(اقتصاد الحرب)، إذ أصبحت هذه التجارة مصدرًا ماليًا مهمًا لبعض الفصائل المسلحة، مما يسهم في إطالة النزاع وتعميق الفوضى الاقتصادية والاجتماعية، كما تستقطب شبكات التهريب الشباب في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب فرص العمل، ما يحوّل الظاهرة من مجرد تهريب إلى نشاط اقتصادي واجتماعي واسع الانتشار.
ويؤكد التقرير أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلّب قطع مصادر التمويل المرتبطة بالمخدّرات وملاحقة الأفراد والشركات المتورطة وتعزيز الرقابة الحدودية والبحرية، مع تكثيف عمليات التفتيش في ميناء بورتسودان، بالإضافة إلى تطوير التعاون الإقليمي مع دول الجوار مثل تشاد وليبيا ومصر وجمهورية إفريقيا الوسطى لمكافحة التهريب العابِر للحدود، إلى جانب إعادة بناء مؤسسات مكافحة المخدّرات وتشغيل المختبرات الجنائية وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للمصادرات.
تقارير دولية تدعم المؤشرات
وتتوافق هذه المعطيات مع تحذيرات سابقة من مؤسسات دولية، فقد أشار معهد نيو لاينز للسياسة والاستراتيجية الأمريكي في تقرير نشر أغسطس 2025 بعنوان “بروز السودان كمركز جديد للكبتاغون” إلى أن الحرب الأهلية أسهمت في تحويل البلاد تدريجيًا إلى بيئة مشابهة لتجربة سوريا خلال سنوات الصراع، حيث ارتبط النزاع بأنشطة اقتصادية غير قانونية واسعة النطاق، وسجّل التقرير تسع عشرة حالة ضبط أو اكتشاف تصنيع للكبتاغون بين عامي 2015 و2025، مع تصاعد النشاط بعد اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023، بما في ذلك اكتشاف مختبرات رئيسية في إقليم النيل الأزرق ومنطقة قري والجيلي شمال الخرطوم، حيث تصل قدرات الإنتاج إلى عشرات آلاف الحبوب في الساعة، مع تجهيزات صناعية تُقدّر بملايين الدولارات.
بين الشك والحقيقة
تكرار المؤشرات المحلية والدولية، وتطابقها مع الأرقام الرسمية، يؤكد أن انتشار المخدّرات في السودان تحول من تهريب عابر إلى صناعة محلية واستقطاب اجتماعي، خاصة في الولايات الحدودية والساحلية، فقد شهد العام 2025 موجة ضبط واسعة شملت الكبتاغون والترامادول والحشيش والكريستال ميث، مع تفكيك معامل وإحباط شبكات تهريب كبيرة في بورتسودان، ما أسفر عن مصادرة مئات آلاف الحبوب ومئات الكيلوغرامات من المخدّرات، في مؤشر على تصاعد نشاط شبكات التهريب وسط الفوضى الأمنية.
يبقى القول الحكيم كما هو: “لا نار بلا رماد”. تكرار المؤشرات وتطابق الشهادات مع الأرقام الرسمية يجعل الحديث عن انتشار المخدّرات في السودان حقيقة واقعة، تتطلّب مواجهة جادة وفورية قبل أن تتحوّل إلى أزمة أكبر تشمل الاقتصاد والأمن والمجتمع على حد سواء.

Leave a Reply