مسلسل Cape Fear: حين تتحول الكاميرا إلى ضمير مذعور

صحيفة الهدف

سفريوي محمد

كاتب من المغرب

رسخ مسلسل “Cape Fear” حضوره القوي كأحد أبرز إنتاجات منصة “Apple TV+” هذا العام، يتكون الموسم الأول للعمل من 10 حلقات كاملة. تستند أحداث المسلسل إلى الرواية الكلاسيكية الشهيرة التي قُدمت سينمائياً مرتين؛ الأولى عام 1962 من بطولة روبرت ميتشوم، والثانية عام 1991 للمخرج مارتن سكورسيزي وبطولة روبرت دي نيرو، الذي رُشح عنها للأوسكار كأفضل ممثل مع جولييت لويس كأفضل ممثلة مساعدة. ونجح المسلسل في تحويل الإرث السينمائي الكلاسيكي إلى عمل تلفزيوني مثير ومتميز.

على الرغم من أن قوته لا تكمن فقط في أنه يعيد إنتاج أحد أشهر أفلام الإثارة النفسية، بل في أنه يعيد طرح سؤال كلاسيكي بلغة تناسب هذا العصر: ماذا يحدث عندما يصبح اليقين الأخلاقي نفسه موضع شك؟

منذ الحلقة الأولى يعلم المشاهد أن صناع العمل، وفي مقدمتهم مارتن سكورسيزي وستيفن سبيلبرغ كمنتجين تنفيذيين، لم يكونوا بصدد إحياء نسخة جديدة لفيلم 1991 فحسب، بل بإعادة بناء عوالمه النفسية. لذلك لم يعد “ماكس كادي” مجرد مجرم يسعى إلى الانتقام، بل شخصية رمادية مركبة، نتاج طفولة عاشها كضحية لأب سيكوباتي ليتحول هو الآخر لمعتدٍ وجانٍ. وتستمد هذه الشخصية قوتها من التباس الحقيقة نفسها؛ فهذه المرة يخرج من السجن بعدما ثبتت براءته، لا بعد أن أنهى عقوبته، وهو تعديل بسيط ظاهرياً لكنه يقلب البنية الأخلاقية للحكاية رأساً على عقب.

إن الأداء المذهل لخافيير باردم يجعل “كادي” أشبه بقوة غير طبيعية لا يمكن التنبؤ بها؛ حضور حيواني، بارد، ومقلق، يذكرنا بأن أكثر الشخصيات رعباً ليست تلك التي تصرخ، بل تلك التي تبتسم وهي تبطن تهديداً محتملاً.

وما يلفت الانتباه أكثر هو اللغة السينمائية للمسلسل. فاللقطات المائلة -وهي اللقطة السينمائية المعروفة بـ “الزاوية الهولندية” أو Dutch Angle- هي أسلوب تصوير تُمَال فيه الكاميرا على محورها الأفقي لتبدو الخطوط غير مستوية مع الأفق، وتُستخدم أساساً للتعبير عن التوتر، والارتباك، وعدم الاستقرار النفسي للشخصيات. مفهوم اللقطة المائلة هو التعريف البصري لإمالة الكاميرا يميناً أو يساراً لكسر الخطوط الأفقية والعمودية المعتادة في الإطار، للحصول على الدلالات النفسية والفنية للاضطراب وعدم التوازن، وإحداث شعور للمشاهد بالقلق أو الضياع، وكأن العالم يفقد اتزانه حول الشخصية. كما توظف للإشارة إلى الجنون أو الاضطراب العقلي، أو فقدان السيطرة، أو صدمة نفسية تعاني منها الشخصية. كما تسعى إلى خلق التشويق في مشاهد الحركة أو الجريمة لزيادة حماسة المشاهد وتخويفه.

توظيف هذه اللقطة في المسلسل لم يكن بغاية أن تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تحولت إلى خطاب بصري مستقل. الكاميرا لا تصور عالماً مختلاً، بل جعلت المشاهد يعيش اختلاله. الخطوط المائلة، والإطارات غير المستقرة، والزوايا المنكسرة، كلها تقول إن الخوف ليس حدثاً يقع أمامنا، بل حالة نفسية تستولي على إدراكنا أثناء المشاهدة.

ورغم هذا النجاح البصري، فإن المسلسل وقع في مأزق مألوف في عصر المنصات الرقمية. فما كان فيلماً مكثفاً يخنق المشاهد بإيقاعه السريع، تحول إلى عشر حلقات تتخللها خطوط درامية لا تضيف دائماً ما يبرر وجودها. أحياناً يبدو وكأن التشويق نفسه أصبح ضحية لمنطق الإطالة الذي تفرضه المنصات أكثر مما تفرضه الحاجة الفنية.

ومع ذلك، يبقى المسلسل عملاً يستحق المشاهدة، لأنه يذكرنا بأن الرعب الحقيقي لا يولد من الدماء ولا من المطاردات، بل من انهيار الثقة في قدرتنا على التمييز بين الضحية والجلاد، وبين العدالة والانتقام، وبين الحقيقة والوهم. وربما هنا تكمن قيمة هذا العمل؛ فهو لا يخيفنا بما يفعله “ماكس كادي”، بل بما يجبرنا على التفكير فيه. فكل لقطة مائلة، وكل صمت طويل، وكل نظرة جامدة لباردم، وكل ابتسامة، تقول إن أخطر أشكال الخوف هو ذلك الذي يجعل العالم نفسه يبدو خارج توازنه.

#سينما #تلفزيون #AppleTV #مراجعة #أدب_ونقد #CapeFear #خافيير_باردم #ملف_الهدف_الثقافي #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.