أمجد السيد
منذ اندلاع الحرب في السودان، خرج ملايين السودانيين من بيوتهم قسرًا بحثًا عن الأمان. لم تكن الهجرة خيارًا سهلاً ولا قرارًا عابرًا، بل كانت استجابة لواقع قاسٍ فرضته أصوات الرصاص، وانهيار الخدمات، وتحول المدن وعلى رأسها الخرطوم إلى ساحات قتال مفتوحة.
لكن في الأشهر الأخيرة برزت حملة على وسائل التواصل الاجتماعي تشجع السودانيين على العودة إلى الوطن، وخصوصًا إلى العاصمة الخرطوم. ويصاحب هذه الحملة نشر مقاطع فيديو لافتتاح مطعم هنا، أو منتزه هناك، أو سوق أعيد تشغيله وسط المباني المتضررة.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح
هل تكفي صور المطاعم والأسواق لإقناع الناس بالعودة إلى مدينة خرجوا منها هربًا من الحرب؟
العودة ليست قرارًا عاطفيًا
العودة إلى الوطن ليست مجرد رغبة عاطفية أو حنين إلى المكان. إنها قرار يرتبط أولاً بشروط الحياة الأساسية الأمن، الصحة، التعليم، والقدرة على العيش الكريم والحقيقة اللافتة في حملات التشجيع على العودة أنها تركز على مشاهد الاستهلاك والترفيه مطاعم، مقاهٍ، أسواق، ومحلات أعيدافتتاحها. لكننا لا نكاد نرى في هذه الحملة صورًا للمستشفيات وهي تعمل بكامل طاقتها، أو المدارس وهي تستقبل التلاميذ، أو شبكات المياه والكهرباء وقد عادت إلى استقرارها الطبيعي وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل هي الأسباب الحقيقية التي دفعت الناس إلى النزوح في المقام الأول ماذا يحتاج العائدون حقًا؟الأسر التي نزحت لم تفكر في المطاعم أو المنتزهات عندماغادرت بيوتها، بل فكرت في سلامة أطفالها، وفي غياب الدواء، وتعطل المدارس، وانعدام الأمن لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه ليس هل فتحت الأسواق؟ بل هل المستشفيات قادرة على استقبال المرضى؟
هل المدارس آمنة وجاهزة لاستئناف الدراسة؟هل توجد ضمانات حقيقية للأمن؟هل تستطيع الأسر أن تعيش في ظل موجة الغلاء الفاحش التي تضرب الأسواق؟فالعودة إلى مدينة مدمرة الخدمات ليست عودة إلى الحياة، بل قد تكون عودة إلى المعاناة نفسها التي دفعت الناس إلى الرحيل.
تجربة النزوح غيّرت الوعي خلال فترة النزوح أو اللجوء، خرج كثير من السودانيين لأول مرة ليروا أنماطًا مختلفة من الحياة في مدن أخرى داخل المنطقة. شاهدوا كيف تُدار الأسواق الحديثة، وكيف تُعرض السلع، وكيف تُحترم معايير النظافة والتنظيم والخدمات.هذه التجربة، رغم قسوتها، فتحت أعين كثيرين على حقيقة مؤلمة أن ما اعتادوا عليه في مدنهم لم يكن بالضرورة أفضل ما يمكن أن تكون عليه الحياة ولهذا فإن إعادة افتتاح متجر أو سوق بالشكل القديم نفسه، وسط الركام والدمار، قد لا يكون رسالة أمل بقدر ما هو تذكير بواقع لم يعد مقنعًا لكثير من الناس.العودة الحقيقية تبدأ بوقف الحرب
العودة الطوعية مفهوم إنساني وقانوني مهم، لكنه يقوم على شرط أساسي أن تكون العودة آمنة وكريمة ومستدامة.ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل حرب مستمرة، واقتصاد منهار، وخدمات عامة شبه غائبة إن تصوير الحياة الطبيعية عبر مقاطع قصيرة على وسائل التواصل قد يصنع لحظة دعائية عابرة، لكنه لا يصنع واقعًا يمكن أن تعيش فيه الأسر وتبني مستقبلها.
بين الدعاية والواقع
تشجيع الناس على العودة دون معالجة الأسباب التي دفعتهم إلى النزوح قد يتحول إلى نوع من الدعاية العاطفية التي تتجاهل الحقائق على الأرض.
فالوطن ليس مطعمًا يُفتتح، ولا سوقًا يُعاد تشغيله الوطن هو مدرسة آمنة، ومستشفى يعمل، وشارع بلا رصاص، واقتصاد يسمح للناس بأن يعيشوا بكرامة.
السودانيون لم يتركوا بيوتهم لأن المطاعم أغلقت، بل لأن الحرب أغلقت الحياة نفسها.
ولذلك فإن الطريق الحقيقي لعودة السودانيين إلى وطنهم لا يمر عبر فيديوهات افتتاح الأسواق، بل عبر وقف الحرب أولاً، وإعادة بناء الدولة والخدمات، وضمان حياة آمنة وكريمة للمواطنين حينها فقط لن يحتاج أحد إلى حملات دعائية لإقناع الناس بالعودة.
فالناس، بطبيعتهم، يعودون إلى أوطانهم عندما يصبح الوطن قابلاً للحياة من جديد.

Leave a Reply