التصوف السوداني: بين حقيقة التوحيد وجهالة “الأدوات”

صحيفة الهدف

م: عادل أحمد محمد

في ظل التجاذبات الفكرية والسياسية التي تعصف بالمنطقة، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة “التوحيد” الذي يمثل هوية الإنسان السوداني. هل هو مجرد نصوص جافة تقف عند ظاهر الأشياء؟ أم هو “نور عرفاني” يرى يد الله وهي تحرك سواكن الكون؟

أولاً: فلسفة الصانع والمنشار

إن الخلاف بين المدرسة الصوفية الضاربة في جذور التاريخ السوداني، وبين الجماعات الوافدة (كأنصار السنة)، ليس خلافاً على فروع، بل هو خلاف في “الرؤية”. تقع هذه الجماعات في ما يمكن تسميته بـ “جهالة الأدوات”؛ فهم حين ينكرون على الولي كرامته أو أثره، إنما ينظرون إلى “المنشار” ويغفلون عن “النجار”.

التصوف الحقيقي لا يرى في الولي “شريكاً” لله، بل يراه “أداةً” طوعها الخالق لإظهار قدرته. فكما أننا ننسب القطع للسكين مجازاً ونحن نعلم أن الفاعل هو الله، فإن العارفين يدركون أن الولي هو محل تجلي الإرادة الإلهية، مصداقاً للحديث القدسي: “كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به”. الإنكار هنا ليس حماية للتوحيد، بل هو عمى عن إدراك كيفية عمل اللطف الإلهي في خلقه.

ثانياً: التواتر.. الحبل السري للهوية

إن قوة المجتمع السوداني لا تكمن في نظريات سياسية مستوردة، بل في قانون “التواتر”. هذا القانون الذي ينقل الانتماء (الديني والسياسي) من الأب إلى الابن كإرث لا يقبل التفاوض. إن تشبث  بـ “سجادته الصوفية” أو “حزبه التقليدي” ليس تقليداً أعمى، بل هو فعل مقاومة غريزي ضد محاولات “التنميط” التي تقودها قوى خارجية.

هذا التواتر هو الذي جعل من “المسيد” و”الخلوة” قلاعاً صمدت أمام أموال النفط وأجندات التغريب، وهو الضامن الحقيقي لبقاء السودان وفياً لجذوره مهما اشتدت العواصف.

ثالثاً: الديمقراطية كساحة لاسترداد السيادة

على عكس ما يروج له البعض، فإن التصوف هو “اللاعب الحاسم” في أي تحول ديمقراطي حقيقي. ففي صندوق الاقتراع، تذوب أموال “الوكلاء” وتتلاشى الشعارات المستوردة أمام “الكتلة البشرية” التي تتبع نداء الروح والولاء الوطني.

إن الديمقراطية في السودان تعني بالضرورة عودة السلطة للقوى المرتبطة بـ “الأرض” و”الخلوة”. وهذا هو الكابوس الأكبر للقوى الدولية (ووكلاء أمريكا وإسرائيل في المنطقة)؛ لأن “الإنسان المتصوف” لا يباع ولا يشترى، وولاؤه لبلده ينبع من توحيده الخالص لخالقه، مما يمهد الطريق لتحالفات استراتيجية تحمي مواردنا وتضعنا في مكاننا الطبيعي ضمن توازنات القوى العالمية الجديدة (المعسكر الشرقي).

خاتمة:

إن العودة إلى “الأصل” ليست تراجعاً للخلف، بل هي استجماع للقوة. التصوف في السودان هو “اللبنة الأولى”، وهو “القاعدة” التي تفرعت منها كل القيم السمحة. وبكلمة “لا إله إلا الله” -بمعناها الشمولي الذي يوحد القلوب والصفوف- سنحمي سيادتنا، ونسترد مواردنا، ونبني دولتنا على صخرة الحق، لا على رمال التبعية المتحركة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.