ماجد الغوث
يعيش الإنسان السوداني اليوم واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث، حيث تلاشت القواعد والنظريات الاقتصادية الكلاسيكية أمام واقع (التضخّم الجامح). لم يعد الحديث هنا عن رفاهية الاستثمار أو التخطيط المالي، بل عن صراع مرير يخوضه المواطن في الداخل والمغترب في الخارج، في “كماشة” اقتصادية لا ترحم.
أولًا: الداخل.. حين يصبح الراتب “رقمًا رمزيًا”
في الداخل، يواجه المواطن انهيارًا صاروخيًا لقيمة الجنيه مقابل الدولار، مما جعل الرواتب الحكومية والخاصة مجرد “أوراق” لا تسد رمق العيش لأكثر من أسبوع. هذا الوضع أدى إلى تشوهات هيكلية واجتماعية خطيرة:
– هجرة الإنتاج إلى السمسرة: عندما يتجاوز دخل “بائعة شاي” أو “سمسار لحظي” راتب الأستاذ الجامعي أو الطبيب، يفقد المجتمع بوصلته الإنتاجية. تحول الكفاءات إلى “وسطاء” في الأراضي والسيارات والعملات هو عرض لمرض اقتصادي عضال، حيث يقتات الجميع من “تدوير الأصول” لا من إنتاج القيمة.
– الديون المتراكمة (اقتصاد البركة): يعيش الغالبية العظمى تحت رحمة الديون الدوارة من أصحاب البقالات والخدمات، في دائرة مفرغة تزيد من حدة الضغوط النفسية وتفشي ظواهر غريبة على المجتمع مثل الكذب والالتفاف للهروب من واقع العجز المالي.
ثانيًا: المغترب.. (البنك المنهك) في مهب الريح
على الجانب الآخر، يظن الكثيرون أن المغترب يعيش في رغد من العيش، بينما الحقيقة هي أنه يعيش في “كماشة” لا تقل قسوة:
– ضغوط المهجر: يواجه المغترب (خاصة في دول الخليج) تصاعدًا مخيفًا في تكاليف الإقامة، والضرائب، ورسوم المرافقين، والتأمين الصحي، مما يجعل راتبه يتبخر قبل أن يفكر في الادخار.
– المسؤولية الكبرى: المغترب اليوم هو “وزارة مالية” بديلة لأسرة ممتدة في الداخل (الأب، الأم، الإخوان، وحتى الجيران). إنه يعيش “غربة داخل غربة”، يحرم نفسه من أساسيات الحياة في مهجره ليؤمن ثمن دواء أو وجبة لأهله في السودان، وهو يعلم أن أي تعثر له في وظيفته يعني كارثة معيشية لعشرات الأشخاص في الوطن.
ثالثًا: “المصب النهائي” للأزمات
المواطن في السودان هو المصب النهائي لكل التشوهات؛ فهو من يدفع ثمن انهيار العملة، وهو من يتحمل الضرائب التي يرحّلها التجار على أسعار السلع، وهو من يدفع فاتورة الخدمات المنهارة. في هذا المشهد، يتلاشى “الادخار” ويحل محله “التحوّط السلعي”، حيث يفر الناس من العملة النقدية إلى شراء أي شيء ملموس يحفظ القيمة قبل أن تلتهمها نيران التضخّم في اليوم التالي.
الخلاصة: ما وراء الأرقام
إن الأزمة في السودان ليست مجرد “أرقام” في شاشات البورصة، بل هي “أزمة وجود”. المجتمع السوداني اليوم يتكاتف عبر مبادرات شعبية ومجهودات فردية للمغتربين هي التي تمنع الانهيار الكامل. إنها حالة فريدة من “اقتصاد الصمود”، حيث يواجه الإنسان السوداني قدره “على بركة الله”، بقلب مثقل بالديون وروح تقاوم الفناء.
خاتمة للنشر:
إن ما يحدث اليوم يتطلب وقفة لمراجعة مفهوم “الوظيفة” والبحث عن مخارج رقمية أو إنتاجية بعيدة عن “العملات المنهارة”، فالمغترب لم يعد قادرًا على حمل الجبل وحده، والداخل لم يعد قادرًا على انتظار معجزة لا تأتي.

Leave a Reply