دائرة الوأد

صحيفة الهدف

أبو بكر ضياء الدين
الفقر.. نتيجته النهائية منع تحقيق إنسانية الإنسان، فهو يكبّله ويجعله مقيّدًا دون الوصول لخياراته في الحياة، ويمنع حرية الإنسان في إطلاق طاقاته وتوظيف ممكناته، إذ يسجنه في دائرة طموح سقفها الاكتفاء، وذلك دون انشغاله بالواجب الفعلي وهو الوصول إلى السمو الروحي الإيماني والقيمي المقترن بوعي إعمار الأرض وخلق المجتمع (الإنساني).
لذا جاء تعريف الفقر بأنه ظاهرة معقّدة تتجاوز نقص المال لتشمل غياب التعليم الذي يشمل (التسرب المدرسي)، وغياب الضرورات التربوية مع عدم توفر المستلزمات الصحية والغذائية.. إلخ. هذا يخلقه الفقر بل أكثر، عبر ما ينتجه من عزلة مجتمعية ناتجة عن عدم (المشاركة والمساهمة الفعلية والواعية في الشأن العام). ومن هذه الأسباب وغيرها يصبح الفقر وأدًا لإنسانية الإنسان وتغييبًا له عن المساهمة في النهوض المجتمعي والاقتصادي والسياسي. فالعلاقة بين الحكم والفقر علاقة جدلية وهيكلية في ذات الوقت، فالحكم الناتج عن إرادة شعبية ويحمل آلامها وطموحاتها وينتمي لوطنها، واجبه خلق المؤسسات التي تخطط لمصلحة إنسان الوطن من خلال تعبئة الموارد ومحاربة الفساد وإعطاء الحقوق الأساسية باعتبارها أولوية وجبت حمايتها وإيجاد المعالجات الجذرية للقضاء على الفقر، إذ وجب النظر للإنسان كغاية ووسيلة.
بالتالي، فإن النظر للفقر ليس مجرد “مصيبة”، بل مسؤولية مجتمعية وإنسانية جماعية تتطلب جهودًا وخططًا علمية تكتسب أهميتها من ضرورة وعي الفقر وأثره.
ومثلما أن الفقر ينشر الجهل وتراجع المستوى التعليمي مع انتشار الأمراض وعدم تلقي العلاج الضروري وغياب سبل الوقاية وانعدام السكن الكريم… إلخ، فإن كل هذه العوامل تترك آثارها النفسية على نظرة الفقير “بشكل عام” إلى نفسه وإلى مجتمعه.
الأمر الذي يعني وضع الإنسان على طريق (الكُفر) بالقيم وضعف الإيمان بالمستقبل وفقدان الانتماء المشترك، وأكثر قد يُدفع قسرًا بواسطة الفقر للبحث عن التعويض بطرق غير مشروعة في بعض الأحيان. وفي ظل (قانون نصي لمفهوم العدالة) يُخلق الإجرام في المجتمع، فبدل تحقيق وعي معنى العدل والعدالة يكون البحث عن معالجة انتشار الجريمة عبر قوانين العقاب لا عبر تحقيق العدالة في المجتمع من خلال التخطيط في توزيع موارد البلاد واستثمارها بعيدًا عن الفساد وخلق تنمية مستدامة ومتوازنة في كل مناحيه وإحداث المساواة وتجفيف كل بؤر التفاوت المجتمعي الصارخة.
والسودان الآن، وبحسب وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية (معتصم آدم)، ومن خلال حديثه لوكالة (سونا) للأنباء، قد ذكر: “ارتفعت معدلات الفقر في السودان وبشكل كارثي لتصل نحو 71% من السكان، ما يعني أن الرقم وصل لأكثر من 23 مليون مواطن تحت خط الفقر..؟!”، في الوقت الذي كانت نسبة الفقر فيه وحتى صبيحة انقلاب 25 أكتوبر نسبته 17%.
بالتالي، فإن سياسة “الانقلاب وإشعال الحرب”، مثلما قتلت المواطن وأفقدت الوطن ونسيجه المجتمعي وحدتهما، فإنهما أفقدتا السودان السيادة والحكم المنبثق من إرادة الشعب.
والحرب أسوأ تأثيرًا من الفقر على الإنسان، فهي تعجل بزرع الكراهية وتفقد الإنسان وجوده وقيمه، وقد تصل لأن يفقد الفرد إحساس الانتماء المشترك في وطنه.
إذن الفقر والحرب، أينما وجدا، ينبغي محاربتهما والتصدّي لهما دون مواربة أو تردّد، فبهما تفقد الشخصية السودانية قيمها ووجودها ونفقد وحدة السودان ماضيه وحاضره ومستقبله.
فهل من ضرورة للبقاء إن حدثت كل هذه التخوفات؟!.. وإلى أين تنتمي بعد تمزيق النسيج المجتمعي؟!
وإلى أي قطعة أرض من أجزاء الوطن ستضع رأسك وتوسمها حلمك؟!!

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.