المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي

صحيفة الهدف

علي سكينة

يكتسب انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي أهمية استثنائية في ظل الظروف القاسية والتحديات التاريخية التي واجهها الحزب والأمة العربية، ولا سيما بعد احتلال العراق وما رافقه من تحولات سياسية وأمنية عميقة على المستويين العربي والإقليمي. إن انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت يؤكد أن قسوة الظروف لم تُضعف الحزب، بل عززت تمسكه بمبادئه وأهدافه، وإصراره على التعاطي مع التحولات الكبرى باعتبارها جزءًا من مسيرته النضالية وأحد أسباب وجوده التاريخي.

ويعكس المؤتمر إرادة حزبية حية في تثبيت الشرعية التنظيمية، بوصفها أحد أهم عوامل الحفاظ على تماسك الحزب واستمراريته، ويؤكد أن التحديات لم تكن عائقًا أمام مسيرته، بل شكّلت محطة مفصلية واختبارًا حقيقيًا لقدرته على الصمود والاستمرار، رغم الانقطاع الطويل، وحملات الاجتثاث والملاحقة والاعتقال والتنكيل والتشويه والاغت.يال. التي تعرض لها البعثيون في أكثر من قطر عربي. ويُعدّ هذا الصمود دليلًا حيًا على حفاظ الحزب على بنيته التنظيمية وقيمه الفكرية، وعلى إيمان مناضليه التاريخي بقدرة الحزب على النهوض من جديد واستعادة دوره الوطني والقومي.

جدّد المؤتمر تمسكه الراسخ بالمبادئ الأساسية للحزب (الوحدة والحرية والاشتراكية )بوصفها منظومة فكرية متكاملة تشكّل مشروعًا تحرريًا للأمة العربية. وأكد أن هذه المبادئ لا تزال صالحة وضرورية في مواجهة مشاريع التفتيت والطائفية والهيمنة الخارجية، مع التشديد على تطوير أدوات النضال وأساليب العمل السياسي والتنظيمي بما يواكب المتغيرات الراهنة، من دون المساس بجوهر الفكر القومي.

أعاد المؤتمر التأكيد على أن فلسطين ستبقى القضية المركزية للأمة العربية، وأن الصراع مع الكيان الص.هيوني هو صراع وجودي حضاري. وشدد على رفض جميع أشكال التطبيع، ودعم حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بكافة أشكالها المشروعة، وحمّل النظام الرسمي العربي مسؤولية كبرى عن إضعاف القضية الفلسطينية نتيجة انخراط بعض الأنظمة في مسارات التطبيع والتنسيق مع الكيان الصه.يوني، بما أضرّ بالموقف العربي الجماعي  لأن وحدة الموقف العربي شرط أساسي لمواجهة المشروع الص.هيوني.

أكد المؤتمر أن استعادة الدور القومي الفاعل للحزب تمر عبر رؤية واضحة للمتغيرات على جميع الصعد ،كما يقوم على تفعيل الديمقراطية الحزبية، وتجديد الأطر القيادية، ووضع المؤتمر وحدة الحزب في صلب العمل النضالي، باعتبارها شرطًا أساسيًا للالتزام بالمبادئ والقضايا القومية.

أولى المؤتمر اهتمامًا خاصًا بالشباب، بوصفهم الرافعة الاستراتيجية لتجديد الحزب وإعادة إنتاج المشروع القومي. ودعا إلى إشراكهم في مواقع المسؤولية والقيادة، وتطوير قدراتهم الفكرية والسياسية، وربط خطاب الحزب بقضاياهم وتطلعاتهم، مع تعزيز التثقيف القومي والسياسي، بما يضمن إعداد قيادة واعية وقادرة على حمل المشروع القومي في المستقبل.

أكد المؤتمر أن المرأة العربية تمثّل محورًا أساسيًا في بنية المجتمع العربي، وشريكًا كاملًا في النضال القومي والسياسي والاجتماعي، وأن أي مشروع نهضوي عربي لا يمكن أن ينجح من دون تمكين فعلي وحقيقي لدور المرأة. وشدد على أن المرأة العربية كانت، ولا تزال، حاضرة في ميادين النضال الوطني والقومي، وفي التربية وبناء الوعي والدفاع عن الهوية.

ودعا المؤتمر إلى تعزيز مشاركة المرأة في الاطار التنظيم الحزبي والسياسي، ودعم دورها في صناعة القرار، وفي التربية القومية وبناء الوعي، بما يسهم في ترسيخ قيم الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية.

قدّم المؤتمر قراءة معمّقة للواقع العربي، معتبرًا أن الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والانقسامات الطائفية والعرقية ليست نتاج إخفاقات داخلية فحسب، بل نتيجة تفاعل معقّد بين العوامل الداخلية وقوى الهيمنة الخارجية. وميّز بين الجماهير العربية الواعية المتمسكة بهويتها القومية، وبين أنظمة رسمية اختارت الارتهان للخارج، ما أدى إلى تراجع الدور العربي الجماعي وتغليب مصالح الأنظمة على حساب القضايا القومية.

أفرد المؤتمر مساحة خاصة لتحليل الدور المشترك للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني في تفكيك الوطن العربي وفرض الهيمنة على القرار العربي والإقليمي والدولي. وأكد أن الولايات المتحدة تمثل القوة المركزية للهيمنة، وأن سياساتها تصب في دعم تفوق الكيان الص.هيوني، وإدارة الصراعات الداخلية، وإضعاف الدولة الوطنية، من خلال الاحتلال المباشر، والعقوبات الاقتصادية، وإعادة هندسة المنطقة بما يخدم مشاريع التفتيت وزعزعة الاستقرار.

وشدد المؤتمر على أن مواجهة هذا المحور تتطلب وعيًا قوميًا شاملًا وتفاعلًا جماهيريًا واسعًا مع قضايا الأمة من المحيط إلى الخليج.

تطرق المؤتمر إلى الدور الإيراني في العراق وعدد من الأقطار العربية، معتبرًا أنه يقوم على استغلال الانقسامات الطائفية والسياسية لتوسيع النفوذ الإقليمي، بما يضعف الدولة الوطنية ويخدم مشاريع الهيمنة الخارجية.

كما لفت المؤتمر إلى تصاعد الدور التركي في المنطقة العربية، حيث تسعى تركيا إلى توظيف الأزمات الداخلية والصراعات الإقليمية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية على حساب سيادة الدول العربية ووحدة أراضيها. وأكد أن مواجهة هذه التدخلات الإقليمية تتطلب موقفًا عربيًا موحدًا يحمي الأمن القومي العربي.

أبرز المؤتمر الدور التاريخي لحزب البعث العربي الاشتراكي منذ تأسيسه كحامل للمشروع القومي العربي الحديث، ومواجهته للاستعمار والهيمنة، ودفاعه عن وحدة الأمة واستقلال قرارها. وأكد أن تجربة الحزب، بما لها وما عليها، تمثل رصيدًا نضاليًا وفكريًا لا يمكن تجاهله، وأن المراجعة النقدية تهدف إلى تصويب المسار واستعادة البعد الجماهيري والديمقراطي للحزب.

خصّص المؤتمر بندًا موسعًا للوضع الاقتصادي في الوطن العربي، معتبرًا أن الأزمة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من الأزمة الشاملة للأمة. وأكد أن تحقيق التكامل الاقتصادي العربي هو الحد الأدنى المطلوب للحفاظ على السيادة الوطنية وتعزيز قوة الأمة. ولفت إلى أن الاعتماد على الاقتصاد الريعي أضعف البنى الإنتاجية، ورفع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، وأسهم في هجرة الكفاءات العربية.

كما أشار إلى تفاقم معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية وتعميق التبعية الاقتصادية للخارج، مؤكدًا أن العقوبات الاقتصادية والسياسات المالية القسرية تمثل أدوات ضغط سياسي تهدف إلى إخضاع المجتمعات العربية، وشدد على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب بناء مشاريع تكامل اقتصادي إنتاجي وتنموي تعزز العدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية.

أكد المؤتمر أن الصراع الراهن هو صراع وجودي على هوية الأمة ومستقبلها، بين مشاريع التفتيت والهيمنة من جهة، وإرادة الشعوب العربية من جهة أخرى. وشدد على أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الجماهير العربية، وفي مقدمتها الشباب والمرأة وكل ومكونات المجتمع ، القادرين على إعادة الاعتبار للمشروع القومي. وأكد أن حزب البعث، رغم الجراح والضغوط، سيبقى جزءًا أصيلًا من معركة الأمة، متمسكًا بفلسطين، ووحدة الأمة، وحقها في السيادة والاستقلال، وأن استعادة الدور القومي ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية للأمة العربية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.