مجدي علي
قالت الأخبار إن تلفزيون السودان استأنف، الأسبوع الماضي، البث المباشر من استديوهاته الرئيسة في أُمِّ درمان، بعد توقف طال وامتد لسنوات نتيجة الأضرار التي لحقت بالمبنى خلال الحرب المندلعة منذ إبريل 2023، ونتيجة معارك الكرّ والفرّ التي خاضها طرفا النزاع في سبيل “السيطرة عليه”.
ورغم أن المبنى لم يكن وحده المتضرّر، إذ طالت الخسائر الاستديوهات والمعدات وحتى الكوادر البشرية لكن عودة البث من أم درمان تُعد خبرًا مفرحًا، وإن جاءت مثقلة بالتحديات وعلامات الاستفهام.
السؤال الجوهري لا يتعلق بعودة البث، بل بعودة المعنى وعودة الدور.. فتلفزيون السودان، الذي تأسّس قبل عقود، ظل طوال تاريخه أسير شدٍّ وجذبٍ دائمين، ومحل رغبة كل سلطة في امتلاكه وأسره وتدجينه، مما حال دون تطوره الطبيعي وأبقاه رهينًا للتقلبات السياسية أكثر من كونه مشروعًا مهنيًا مستقلًا، بسبب سوء الساسة وضيق الأفق اللذين عطّلا هذا الدور، وأقعدا التلفزيون عن أداء مهمته المنوطة به، وبأي تلفزيون دولة تحترم نفسها.
آثار الحرب امتدت إلى جوهر المؤسسة نفسها. فقد بدا واضحًا أن التلفزيون، الذي أستمرأ التدجين، واصل مسيرة “العَرْضة برّه الدايرة”، فلم يتجاوز دوره طوال سنوات الحرب حدود الوسيط الذي يكرّر خطاب تأجيج الصراع ويعيد تداول السرديات الرسمية البائسة، متغافلًا الحقائق والحياة والناس. وزاد هذا البؤس مع الهجرة الواسعة لكوادره المهنية المتميّزة، ليطل عبر شاشته صغار الإعلاميين وعديمو الموهبة والمعرفة، فجاء الناتج ضعفًا في الصورة كما في المضمون.
أزمة التلفزيون اليوم أزمة متراكمة؛ جهاز فقد هويته ونسِي رسالته، وانفضّ المشاهدون من حوله منذ سنوات تخلّف فيها عن الركب، حتى أن قنوات محلية وليدة زاحمته وخطفت بريقه التاريخي، بينما هو يتخلى عن موقعه. وهي أيضًا أزمة عجز عن التجديد والتطوّر، وعن مواكبة التحولات المتسارعة في المشهد الإعلامي، وهي مقومات أساسية لنجاح أي قناة في عالم تحكمه المنافسة الشرسة.
إعادة تشغيل البث من أُمِّ درمان، مهما كانت أهميتها، لا تعني استعادة الدور الغائب. فعودة التلفزيون إلى مكانته الحقيقية، واسترجاع روحه بوصفه مؤسسة وطنية جامعة، لا يتم عبر الأجهزة والكاميرات وحدها، بل عبر مناخ من الحرية والديمقراطية والسلام؛ يضمن للكادر الإعلامي حقه في العمل المستقل، ويمنح الشاشة القدرة على التعبير عن المجتمع بكل تنوّعه، لا أن تظل مرآة لخطاب أي سلطة حاكمة أو صدى لحروبها.. فالحرية الإعلامية ليست شعارًا، بل شرط لازم لنهضة هذا التلفزيون..
نتمناه بثٌّ يعود، وتعود معه الروح..

Leave a Reply