راما عبد الله
لم تكن شيماء الصبّاغ تعرف، وهي تخرج في صباح شتوي من يناير 2015، أن خطوتها الهادئة ستتحوّل إلى واحدة من أكثر اللحظات قسوة في الذاكرة المصرية المعاصرة. خرجت كما يخرج من يؤمن بالرمز أكثر من الضجيج، وبالفعل البسيط أكثر من الهتاف العالي. لم تحمل لافتة، ولم ترفع شعارًا، كانت تحمل زهورًا فقط، متجهة مع عدد محدود من رفاقها في ميدان التحرير، لوضعها على نصب الشهداء التذكاري إحياءً لذكرى ثورة 25 يناير.
قبل ذلك بسنوات، كانت شيماء واحدة من أصوات يناير الأولى. في ميدان الرمل بالإسكندرية، خلال ثورة 25 يناير 2011، وقفت تغنّي بحماس وصوت رقيق: “علّي صوتك بالغُنا.. كلّ الأماني ممكنة”، وكانت آنذاك حاملاً في طفلها بلال، تشارك ملايين المصريين حلم التغيير. وحين سقط نظام حسني مبارك بعد استشهاد مئات المصريين، لم تغادر شيماء طريق الثورة، بل ظلّت حاضرة في ذكراها ومساراتها، مطالبة بحقوق الشهداء، حتى لحقت بهم.
كانت المسيرة في يناير 2015 أقرب إلى فعل رمزي صامت، لا احتجاجًا صاخبًا ولا تحدّيًا مباشرًا. غير أن الردّ الأمني جاء عنيفًا. وخلال فضّ التجمع، أُصيبت شيماء بطلق خرطوش في الظهر، وسقط جسدها في قلب الميدان الذي جمع يومًا بين الحلم والانكسار. الصورة التي التُقطت لزميلها وهو يحملها بين ذراعيه، والدم ينزف منها، سرعان ما انتشرت، لتصبح واحدة من أكثر الصور دلالة على قسوة تلك اللحظة.
تشير شهادات رفاقها إلى أن قوات الأمن استخدمت الخرطوش لتفريق المسيرة، ولم تُستدعَ سيارات إسعاف عقب إصابتها، بل إن طبيبًا حاول إسعافها ومُنع من ذلك، لتفارق الحياة لاحقًا. الواقعة أثارت غضبًا واسعًا داخل مصر وخارجها، وفتحت نقاشًا حادًا حول استخدام القوة المفرطة ضد تحركات سلمية.
لم تكن شيماء مجرد اسم في قضية، بل كانت في صدارة المتضامنين مع العمال وأصحاب المظالم، تتقدّم المسيرات والوقفات الاحتجاجية وهي تهتف: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”. شاركت، وهي في الثالثة والثلاثين من عمرها، في محطات الثورة المختلفة، وانضمّت إلى حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وشغلت منصب أمينة العمل الجماهيري للحزب في الإسكندرية. وبعد رحيلها، صدر لها ديوان (على ضهر التذكرة) عن دار ابن رشد للنشر، ضمّ مقتطفات شعرية من كتاباتها على (فيسبوك).
قبل رحيلها بقليل، كتبت شيماء: “البلد دي بقت بتوجع.. ومفيهاش دفا.. يارب يكون ترابها براح.. وحضن أرضها أوسع من سماها”. عبارة بدت، لاحقًا، كوصيّة أخيرة. وهكذا، لم تعد شيماء الصبّاغ مجرّد ضحية حادثة، بل صارت رمزًا مكثّفًا لمرحلة كاملة، ولذاكرة سياسية ما زالت مفتوحة على الأسئلة، مهما طال الزمن.

Leave a Reply