د. أحمد الليثي
ليست عبارة “ليتها لا زنت ولا تصدّقت” جملةً أخلاقيةً معزولة، بل مفتاحاً كاشفاً لفهم مشهدٍ كاملٍ من التناقض الذي يعيشه السودان، سياسياً وأخلاقياً في آنٍ واحد.
في أصلها، تُدين العبارة محاولةَ تجميل الخطيئة بعملٍ صالح، لا بدافع التوبة، بل بدافع تسكين الضمير أو تبييض الصورة. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم، لا على مستوى الأفراد فحسب، بل على مستوى السلطة والمال والخطاب العام.
في السودان، تُرتكب الخطيئة ثم تُوزَّع الصدقات. يُمارَس الظلم، ثم تُرفع الشعارات. يُنهَك المجتمع، ثم يُستدعى خطاب الفضيلة، وكأن الخلل يمكن أن يُمحى بلغةٍ منمّقة أو بمبادرةٍ متأخرة.
المشكلة ليست في الإغاثة، ولا في العمل الخيري، ولا في الخطاب الأخلاقي في ذاته. المشكلة حين تأتي كل هذه بعد الفعل، دون اعترافٍ به، ودون مساءلة، ودون تحمّلٍ للمسؤولية. هنا يصبح المشهد أقرب إلى تلك العبارة القاسية: “ليتها لا زنت ولا تصدّقت”.
ولا يقتصر هذا المنطق على السياسة وحدها، بل يتسرّب إلى الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية. ففي السودان، كما في أجزاء واسعة من العالم العربي، يُلاحظ نمطٌ أخلاقيّ متكرّر: يسارع بعض رجال المال والأعمال إلى صناعة الخير في العلن، موائد، تبرّعات، رعاية مناسبات، بينما يُمارَس الظلم في الخفاء على العمّال والموظفين الذين يقوم على أكتافهم هذا الثراء أصلاً.
لا تكمن المفارقة في فعل الخير ذاته، بل في انفصاله عن العدالة. فالخير، حين يُقدَّم من فائضٍ انتقائي، ولا يبدأ من احترام الأجر، ولا من صون الكرامة اليومية، يتحوّل من فضيلةٍ أخلاقية إلى تعويضٍ رمزيّ لا يُصلح أصل الخلل، بل يُخفيه.
وهنا تتجلّى شيزوفرينيا السياسة والأخلاق في أوضح صورها: حين تنفصل القيم المُعلَنة عن الممارسات الفعلية، وحين يصبح الخير خطاباً لا سلوكاً، وتتحوّل الأخلاق من معيارٍ للمساءلة إلى أداةٍ لإدارة التناقض.
في هذا السياق، تتحوّل الصدقة، سياسية كانت أم اجتماعية، إلى قناعٍ أخلاقي، إذا لم تُسبق بتوبةٍ حقيقية: اعتراف، ومحاسبة، وإرادة صادقة لتغيير المسار، لا لإدارته.
فالآية تقول: (وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها)، لكنها لا تقول: جاوِر السيئةَ بحسنةٍ فتُغتفر. الفرق بين الاتباع والمجاورة هو الفرق بين التوبة والنفاق، بين إصلاح المسار وتزيين الخراب.
في السودان، كثيرٌ من الفاعلين يريدون الحسنة دون المرور بجحيم الاعتراف. يريدون السلام دون تسمية الجريمة. ويريدون المستقبل دون مواجهة الماضي القريب. لهذا تبدو العبارة موجعة.. لكنها صادقة.
فأحياناً، يكون الذنب العاري أقرب إلى الخلاص من ذنبٍ مُغطّى بشعارات الفضيلة.
ليتها.. لم تُرتكَب الخطيئة، ولم يُستدعَ الخير ليؤدي دور الشاهد الصامت. فالخير، حين يُفصل عن الصدق والعدل، لا يمحو الخطأ.. بل يمنحه عمراً أطول.

Leave a Reply