ود الاغبش
مدخل عند باب الصيوان المفقود
جرّدوه من اسمه وتاريخه وتفوّقه الدراسي؛ لم يعد فلان الطبيب بل أصبح أبو فلان المهاجر. مسحوا فرديته ليصبح مجرد ترس في آلة الموت. لقد استغلوا رغبته في البطولة ليحولوه إلى أداة، أقنعوه بأن موته هو الحياة الوحيدة الحقيقية، فذهب إلى حتفه وهو يبتسم، لا لأنه شجاع بل لأنه مغيّب تمامًا عن واقع الحياة.
داخل الصيوان
غربة الطبيب.. ومقصلة الوهم
في سنوات الجمر حمل الأب حقائبه وقلبه المثقل بالخوف وفرّ من بطش النظام في الخرطوم عبر البحار والمنافي، بحثًا عن سماء لا تسجن الأنفاس واستقر به المقام في صقيع أوروبا حيث يتساقط جليدها بردًا وسلامًا. كان يرى في ابنه أنه سوف يصبح طبيبًا يشفي جراح العائلة، والضوء الذي سيعيد الاعتبار لسنوات الشتات.
كبر الابن وصار شابًا نابغًا يحمل ملامح النيل ولسان الغرب لغة وفهم. وبحنين بريء طلب من والده العودة إلى الجذور، ذلك المكان القصي، ليدرس الطب في جامعة العلوم والتقانة. أراد أن يكون وسط أقرانه، يرتدي المريلة البيضاء في شوارع الخرطوم التي لم يعرفها إلا من حكايات والده. لم يكن يعلم أن خلف بياض المعامل ثمة غربان تتربص بقلبه الأخضر.
في زوايا الجامعة المظلمة كان هناك من ينسج خيوط الغدر.. سماسرة الأرواح الذين يرتدون مسوح الدين بدأوا في حقن عقول الطيور المهاجرة بسموم التكفير، وأقنعوهم أنهم يختلفون عن الآخرين، وأن شفاء الأجساد في كليات الطب ضلال وأن الشفاء الحقيقي يكون بقطع الرؤوس في بلاد لا يعرفونها.
باع الدعاة أبناء المهاجرين بدراهم معدودة وبوعود زائفة بجنة لا يسكنها إلا القتلة. تحوّل المشرط الطبي إلى سكين ذبح وتحول القلم إلى رصاصة.
اختفى الابن زمنًا وانقطعت رسائله وأخباره.. بحث الأب في كل زاوية، حتى جاءه الخبر الذي شطر روحه إلى نصفين: ابنك مات في صحراء العراق.. تحت راية السواد. لم يمت الابن في غرفة عمليات ينقذ مريضًا، بل مات منبوذًا ضحية لفكر كفر حتى والده الذي أفنى عمره لأجله.
لم يحتمل الأب هول الغدر، كانت صدمته في الدين الذي زيفوه وفي الوطن الذي استدرج ابنه ليقتله أكبر من أن يحتملها قلبه المتعب.. سقط الأب صريع الحسرة، مات غريبًا مرتين.. مرة حين ترك وطنه ومرة حين سرق الوطن والظلاميون ابنه منه.
كتب الأب وصيته على لوحة في صالون بيته: كونوا الملاذ، لا تتركوا فراغًا عاطفيًا في حياة أبنائكم يملؤه الغرباء بوعود البطولة الزائفة، فابنكم الذي أردتموه طبيبًا كان يحتاج منكم وعيًا يحميه من فيروسات الفكر، تمامًا كما كنتم تحمونه من فيروسات الجسد.
إن الذين باعوا ابني سوف تطاردهم اللعنة في الدنيا قبل الآخرة، وسوف يسلط الله عليهم قومًا يذوقونهم مرّ العذاب.

Leave a Reply