بين تفاؤل التكنولوجيا وارتباك السياسة.. دافوس 2026 تحت ظلال ترامب

صحيفة الهدف

المحرر الاقتصادي

بدت مخرجات المنتدى الاقتصادي العالمي في دورته السادسة والخمسين، (دافوس 2026)، وكأنها نتاج مسارين متوازيين لا يلتقيان إلا نادرًا. مسار أول طغت عليه لغة التفاؤل التكنولوجي، ومسار ثانٍ أثقلته الهواجس السياسية والجيوسياسية، وكان القاسم المشترك بينهما حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قلب إيقاع النقاشات رأسًا على عقب. هذا الانقسام لم يكن شكليًا، بل انعكس بوضوح على طبيعة الحوارات الثنائية والجلسات المغلقة بين صناع القرار وقادة الأعمال.

في المشهد الأول من دافوس، سادت نبرة إيجابية واضحة بين قادة الأعمال والمستثمرين، حيث دار الحديث بكثافة حول الذكاء الاصطناعي وقدرته على الانتقال من مرحلة الترويج الإعلامي إلى التطبيق العملي. طُرحت مفاهيم جديدة مثل (نماذج العالم) و(الذكاء الاصطناعي المادي)، وتكررت الإشارات إلى استثمارات ضخمة باتت جاهزة لدعم هذه التحولات، في ظل قناعة متزايدة بأن التكنولوجيا أصبحت محرك النمو الرئيسي في المرحلة المقبلة.

التحول الحاد بدأ مع خطاب ترامب في دافوس، حين احتشد الآلاف للاستماع إليه. وبينما اتسم الخطاب في بدايته بخليط من الفكاهة والاستفزاز، تغيّر الجو بشكل ملحوظ عندما أعاد الرئيس الأمريكي طرح مسألة ضرورة استحواذ بلاده على غرينلاند. ساد الصمت القاعة، وتبادلت الوفود نظرات قلقة، قبل أن تتحول هذه التصريحات إلى محور النقاشات في الكواليس، مزاحةً ملفات الذكاء الاصطناعي والطاقة من الصدارة.

ومع ذلك، ظل التناقض سمة ملازمة لأيام المنتدى. ففي حين تحدث قادة صناعيون، مثل رئيس مجلس إدارة سيمنز للطاقة، عن الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة صناعية كبرى لا مجرد سباق استهلاكي، بقيت الشكوك قائمة حول ما إذا كانت الوعود السياسية ستتحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ، أو ستظل مجرد رسائل موجهة للاستهلاك الإعلامي.

هكذا خرج دافوس 2026 بصورة مركّبة، عالم يتسارع فيه الابتكار بوتيرة غير مسبوقة، يقابله مشهد سياسي مضطرب يزرع الشك في استقرار المستقبل، ويجعل الثقة، لا التكنولوجيا، العملة الأندر في الاقتصاد العالمي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.