وائل محجوب*
عن مصطفى سيد أحمد نحكي؛ نحدث عن فناننا الأشمل، وكيف تخلقت تلك الأسطورة الفريدة بغزلٍ من الألحان قلّ أن يجود به الزمان. نحكي عن ذاك الذي تصدى للمؤسسة الرسمية التي تقولبت في نماذج لحنية وشعرية نمطية، وتوهمت أن بمقدورها فرض وصايةٍ محددة على ذائقة الغناء.
مضى مصطفى حاملاً أعواد العالَم؛ من “قريةٍ” لصقعٍ لمجرته الخاصة، حتى إذا ما نقر عوادٌ بريشته استجلبته الذاكرة، واستعذبت جميل نظمه وضمه وسمح غنائه.
بدأ مصطفى سيد أحمد مسيره الفني ومحرابه الذي تبتّل فيه بعد أن فارق لأجله “مهنة الأنبياء” (التعليم)، وجاء للإذاعة لإجازة صوته، فنفرت من نصه تلك اللجنة التاريخية التي قُدّر لها إجازة الأصوات والنصوص آنذاك، ويُحمَد لها أنها فعلت..! فلو استجابت، لربما حُشر في قوالبها، لكنه مضى في مسيره المتعرج المتصاعد، جاب البلاد، وما من مدينة إلا وأقام فيها جلسة استماع للناس “مجاناً”؛ استمع إليهم وقدم نصوصه وقوالبه اللحنية لعامة الشعب، متحدياً من أرادوا تحجيم تجربته. حمل عوده ملحناً لجديد النصوص، ومستنداً إلى لونية متفردة من “الشعراء المطاليق” مفرودي الجناح ومطلقي الخيال.
تأمل معي قائمة الشعراء لتدرك عظمة هذه المدرسة اللحنية: (حميد، القدال، قاسم أبو زيد، أباذر الغفاري، الصادق الرضي، صلاح حاج سعيد، أزهري محمد علي، محمد المهدي عبد الوهاب، يحيى فضل الله، عاطف خيري، ومظفر النواب).
فرض “مصطفانا” نفسه على مشهد الغناء بجده ومثابرته التي هزمت كل محاولات التقزيم، طاف السودان وحلاله موزّعاً صوته للناس؛ فدخلت أغانيه البيوت مثلما يدخل الضوء من النوافذ المعتمة، مترنماً بأشعار ماتعة تلهم الحس والوجدان، حتى صنع جيلاً كاملاً من متلقي الفن الواعي.
وعندما اكتمل طواف سعيه بين صفا ومروة الجماهير وصعد للمسرح، تدافعت الجموع من كل فجٍ عميق لتسند تجربته وتستند إليه؛ فقد كان ملهماً، متفرداً، وصانع نفسه بلا شبيه. مزج مصطفى بين “الحبيبة” و”الوطن” حتى لم يعد السامع يتبين الفرق بينهما، واستخدم الرمزية الغنائية ليصعد بها إلى ذراها القصوى، مسنوداً بأماجد الشعراء وصداحي المواقف.
في ثمانينيات القرن الماضي، وفي يوم خريفيٍ مترعٍ بالمطر والدعاش، صرخ شابٌ في منتهى اللحن لأغنية “مريم الأخرى” والراحل ينهي لحنه لذلك النص الأعجوبة للشاعر البارع إبراهيم شمو، صرخ قائلاً: “يا الله”.. كانت تلك الكلمة هي التعبير الأمثل في مقام مديح عظيم التجلي وقدرة النصوص والألحان خارقة العادة.
تأمل اشتغال اللحن عبر الأوركسترا وما فعله موسيقار عصره في المقدمات الموسيقية وتداخل الآلات، وما فعل بصوته وهو يغرد.. لست بصدد شرح أغنية بعينها، فابحث عنها بنفسك لتعرف المدى.
لم يكن مصطفى سيد أحمد فناناً عابراً، بل أسطورة حية؛ تجاوز فناننا الأكبر وموسيقارنا الأعظم محمد وردي قواعده حينما شارك معه كـ “كورس” في أغنية “طفل الإعانات”، وكان وردي جزلاً وسعيداً وهو يقول في حوارٍ له: “إن مصطفى ظاهرة لا تتكرر”.
فإذا كنت من عشاق الفن وأهله، استمع في يومك هذا لفتى “ود سلفاب” الناحل الذي قدم للفن هداياه العظمى، ومضى صغيراً بعدما علّم العود “رعشة الشوق للسواحل”.
ألزم محلك
- 22 ديسمبر 2020م
#ملف_الهدف_الثقافي #مصطفى_سيد_أحمد #وائل_محجوب #ود_سلفاب #صحيفة_الهدف #السودان

Leave a Reply