المحرر الاقتصادي
أولًا: الإطار العام للسياسات، طموح إصلاحي في سياق غير اعتيادي
لا شك أن السياسات المالية والنقدية التي أعلنها بنك السودان المركزي للعام 2026 تعكس وعيًا تقنيًا متقدمًا بطبيعة الاختلالات البنيوية التي يعاني منها الجهاز المصرفي السوداني، سواء على مستوى الهشاشة الرأسمالية، أو ضعف الحوكمة، أو اختلال السيولة، أو قصور نظم الدفع. كما أن إدراج مفاهيم مثل الشمول المالي، والتمويل المستدام، والرقابة المبنية على المخاطر، واختبارات الضغط، يضع هذه السياسات، نظريًا، ضمن المدرسة الحديثة لإدارة البنوك المركزية.
غير أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في جودة التشخيص، بل في قابلية التنفيذ، وفي الفجوة الواسعة بين سياسات تُصاغ لاقتصاد في حالة انتقال أو تعافٍ طبيعي، وبين اقتصاد يعيش حربًا مفتوحة، وتفككًا مؤسسيًا، وانقسامًا جغرافيًا ونقديًا فعليًا.
ثانيًا: إصلاح الجهاز المصرفي في ظل الحرب، بين الضرورة والاستحالة الجزئية
يواجه الجهاز المصرفي السوداني أوضاعًا بالغة التعقيد، تُقيِّد عمليًا أي حديث عن إصلاح أو تطوير شامل في الأجل القصير. فقبل اندلاع الحرب، كان عدد المصارف العاملة في السودان نحو 38 مصرفًا، من بينها 6 مصارف حكومية، تمتلك مجتمعة ما يقارب 870 فرعًا. غير أن الحرب أدت إلى تدمير وخروج ما لا يقل عن 100 فرع من الخدمة في الخرطوم وعدد من الولايات الأخرى، فضلًا عن تعطل واسع للبنية التحتية المصرفية.
ويُضاف إلى ذلك أن عددًا معتبرًا من المصارف التي أُنشئت خلال سنوات النظام السابق كان يعاني أصلًا من اختلالات هيكلية عميقة، سواء من حيث ضعف رؤوس الأموال، أو هشاشة البنية المؤسسية، أو محدودية الامتثال للمعايير المصرفية الدولية، بحيث تحولت عمليًا إلى وحدات مصرفية صغيرة تفتقر إلى القدرة على أداء دورها الحقيقي في الوساطة المالية.
ومع اندلاع الحرب، تفاقمت هذه الاختلالات نتيجة تعطل الخوادم (السيرفرات) والشبكات، وانقطاع أنظمة الدفع والتسويات، إلى جانب الارتفاع الحاد في معدلات التضخم، والانهيار المتواصل لقيمة الجنيه السوداني، وتآكل محافظ التمويل، وضياع جزء كبير من القروض، مقابل شح شديد في الودائع وانعدام الثقة في الجهاز المصرفي.
وفي هذا السياق، فإن عودة نحو 400 فرع فقط إلى العمل في عموم السودان، مع اقتصار نشاطها على عمليات السحب والإيداع، لا يمكن تفسيرها بوصفها تعافيًا مصرفيًا، بقدر ما تعكس حالة تشغيل حدِّي (Minimum Operation) تهدف إلى تسيير المعاملات الأساسية لا أكثر. وعليه، يصبح الحديث عن تحقيق الشمول المالي، أو تمويل البنية التحتية، أو دعم التنمية، أو توفير تمويل متوسط وطويل الأجل، حديثًا نظريًا يفتقر إلى المقومات الواقعية في ظل الوضع الراهن.
إن أي مسار جاد لإصلاح وتطوير الجهاز المصرفي لا بد أن ينطلق أولًا من تشخيص دقيق لهذه الوقائع، والاعتراف بأن استعادة الدور التنموي للمصارف تظل مرهونة بتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، وإعادة بناء الثقة، وإصلاح الهياكل المالية والمؤسسية من جذورها، لا الاكتفاء بإجراءات تنظيمية أو سياسات مُعلنة تصطدم بواقع ميداني بالغ الهشاشة.
فإصلاح الجهاز المصرفي وإعادة هيكلته يمثل، من حيث المبدأ، أولوية لا خلاف عليها، لكن في ظل استمرار الحرب يواجه هذا الهدف ثلاثة قيود حاسمة:
1/ تعطل البنية المادية والمؤسسية للمصارف: عدد كبير من الفروع والمقار المصرفية خرج عن الخدمة، وتعرضت أصول مصرفية للتلف أو النهب، ما يجعل أي تقييم دقيق لجودة الأصول (AQR) جزئيًا أو غير مكتمل.
2/ تآكل رؤوس الأموال الحقيقية: الدعوة إلى زيادة رؤوس أموال المصارف تصطدم بحقيقة أن المساهمين أنفسهم متضررون، وأن السوق المالية شبه مشلولة، ما يجعل الامتثال لمتطلبات كفاية رأس المال أقرب إلى الامتثال الشكلي منه إلى التعافي الحقيقي.
3/ غياب بيئة الاستقرار القانوني والسيادي: لا يمكن لعمليات دمج أو استحواذ أو تصفية مصرفية أن تتم بكفاءة في ظل انعدام الاستقرار الأمني وتعدد مراكز السلطة، لأن إعادة الهيكلة بطبيعتها عملية قانونية–مؤسسية طويلة الأمد.
الخلاصة هنا: إصلاح الجهاز المصرفي ضرورة استراتيجية، لكنه في ظل الحرب لن يتجاوز مستوى الإدارة الوقائية للأزمة، وليس الإصلاح البنيوي الكامل.
ثالثًا: تحديث نظم الدفع والتحول الرقمي، المجال الأكثر واقعية للتقدم
يُعد التركيز على نظم الدفع، وإدارة السيولة، والتحول الرقمي من أكثر محاور السياسات واقعية وقابلية للتنفيذ، حتى في ظل الحرب، للأسباب التالية:
أ/ التحول إلى الدفع الإلكتروني يقلل الاعتماد على النقد الورقي الذي يعاني من:
- ندرة حادة.
- ارتفاع تكلفة الطباعة والنقل.
- مخاطر أمنية عالية.
ب/ نظم الدفع الرقمية تتيح: - تحسين إدارة السيولة.
- تسريع دوران النقود.
- تقليص الاقتصاد النقدي غير الرسمي نسبيًا.
لكن هذا المسار يظل مقيدًا بثلاثة تحديات:
1/ ضعف البنية التحتية للاتصالات في مناطق واسعة.
2/ انقسام السوق بين مناطق سيطرة مختلفة.
3/ تراجع الثقة العامة في النظام المصرفي.
ومع ذلك، يبقى هذا المحور أكثر المحاور قابلية لتحقيق أثر إيجابي جزئي على الاقتصاد الكلي، خصوصًا في كبح الفوضى النقدية.
رابعًا: توجيه التمويل للقطاعات الإنتاجية، هدف صحيح بأدوات محدودة
يُعد توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة، الصادرات) ركيزة أساسية لأي سياسة تستهدف خفض التضخم وتحسين سعر الصرف. غير أن الواقع يشير إلى أن:
1/ القطاع الإنتاجي نفسه متضرر بشدة من الحرب (تعطل سلاسل الإمداد، نزوح العمالة، تدمير البنية التحتية).
2/ المصارف، في ظل المخاطر المرتفعة، تميل إلى:
- التمويل قصير الأجل.
- التمويل التجاري.
- أو الامتناع عن التمويل كليًا.
وبالتالي، فإن قدرة السياسات النقدية وحدها على تحفيز جانب العرض تبقى محدودة ما لم تُدعَم بسياسات مالية نشطة، واستقرار أمني نسبي، وتدخلات حكومية مباشرة في الإنتاج الاستراتيجي.
خامسًا: التضخم وسعر الصرف، حدود السياسة النقدية في اقتصاد الحرب
تستهدف السياسات المعلنة خفض التضخم وتعزيز استقرار سعر الصرف، لكن يجب الاعتراف بأن:
1/ التضخم في السودان ليس تضخم طلب فقط، بل هو:
- تضخم عرض.
- تضخم تكلفة.
- تضخم ناتج عن الحرب وانهيار الإنتاج.
2/ سعر الصرف يتأثر بعوامل سياسية وأمنية وسيادية أكثر من تأثره بالأدوات النقدية التقليدية.
وعليه، فإن السياسة النقدية في السياق الراهن لا تستطيع قيادة الاستقرار الكلي، بل تكتفي بتقليل حدة الانفلات ومنع الانهيار الكامل.
سادسًا: المعايير الدولية والحوكمة، طموح مشروع وواقع هش
الالتزام بمعايير بازل وIFSB والرقابة المبنية على المخاطر يعكس توجهًا إيجابيًا، لكنه يصطدم بحقيقة أن:
1/ هذه المعايير صُممت لاقتصادات مستقرة نسبيًا.
2/ تطبيقها الصارم في اقتصاد منهك قد يؤدي إلى:
- إقصاء مصارف ضعيفة لكنها ضرورية اجتماعيًا.
- تعميق الانكماش الائتماني.
لذا، فإن المرونة الانتقالية في تطبيق المعايير تصبح شرطًا عقلانيًا، لا تراجعًا عن الحوكمة.
سابعًا: الأثر الكلي المتوقع، إدارة أزمة لا انطلاق نمو
في ضوء ما سبق، يمكن تلخيص الأثر المتوقع للسياسات على الاقتصاد الكلي كالآتي:
1/ منع الانهيار الشامل للجهاز المصرفي: محتمل.
2/ تحسين كفاءة التشغيل المصرفي جزئيًا: محتمل.
3/ خفض التضخم بشكل جوهري: غير مرجح.
4/ استقرار دائم لسعر الصرف: ضعيف الاحتمال.
5/ إطلاق مسار نمو مستدام: مؤجل إلى ما بعد الحرب.
خلاصة نقدية استراتيجية
تمثل سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026 محاولة جادة لإدارة اقتصاد في حالة طوارئ ممتدة، أكثر من كونها برنامجًا تقليديًا للإصلاح والنمو. فهي تسعى بحدود الممكن إلى:
1/ الحفاظ على ما تبقى من الجهاز المصرفي.
2/ منع الانفلات النقدي الكامل.
3/ تجهيز الأرضية التقنية والمؤسسية لمرحلة ما بعد الحرب.
لكن الحقيقة الأساسية تظل أن السياسة النقدية لا تستطيع تعويض غياب الدولة، ولا إنهاء آثار الحرب، ولا خلق نمو في اقتصاد مدمَّر. ومن ثم، فإن نجاح هذه السياسات يظل مشروطًا بشرط سابق عليها: وقف الحرب، واستعادة الحد الأدنى من وحدة القرار السيادي.
#الهدف_الاقتصادي #اقتصاد_السودان #بنك_السودان_المركزي #السياسات_النقدية #السياسات_المالية #الجهاز_المصرفي
#اقتصاد_الحرب #التضخم #سعر_الصرف #الشمول_المالي #التحول_الرقمي

Leave a Reply